dimanche 15 janvier 2012

الأحداث بالتفصيل في شهر شعبان عبر تاريخ المغرب

*
* * *
*
150
مقتل الأغلب بن سام التميمي والي الدولة العباسية على المغرب في عهد الولاة
يقول صاحب الاستقصا: في شهر شعبان عام 150 هـ، والأغلب هذا هو جد الأغالبة ملوك افريقية بتونس من بعده، وكان من ذوي الشجاعة والرأي، وكان قبل ذلك من أصحاب القائد أبي مسلم الخراساني، ودخل المغرب مع ابن الأشعث، واستعمله على طبنة، ثم نقله الخليفة ابوالمنصور العباسي وعينه واليا على القيروان سنة 148هـ، ثم ثار عليه أبو قرة بن دوناس اليفرني المغيلي أمير الدولة الصفرية بغرب الجزائر، والتفت عليه زناتة بجهة تلمسان وبايعوا له بالخلافة واستفحل أمره فزحف إليه الأغلب فلما دنا منه فر أبو قرة إلى المغرب الأقصى فلم يقف إلا بطنجة، ثم جهز عليه الأغلب مرة ثانية بعد رجوعه الى تلمسان، لكن من سوء حظه ثارت عليه جبهة ثانية بقيادة الحسن بن حرب الكندي صاحب (تونس العاصمة)، فتوجه اليه الأغلب واقتتلا فاصابه سهم فقتله، فقدم أصحابه عليهم المخارق بن غفار الطائي الذي كان على طرابلس، وحملوا على الحسن الكندي، فانهزم أمامهم إلى تونس ثم لحق بكتامة وخيل المخارق في اتباعه ثم رجع إلى تونس بعد شهرين فقتله الجند، وكان مقتل الأغلب في شعبان سنة 150هـ خمسين ومائة، وقام بأمر إفريقية بعد مقتله المخارق بن غفار الطائي.
261
ظهور مذنب في سماء المغرب
في سنة إحدى وستين ومائتين ظهر النجم أو بالذوائب وكان ابتداء ظهوره ليلة الثلاثاء الثاني عشر من شعبان من السنة المذكورة وبقي يطلع كل ليلة وقت السحر نحوا من عشرين يوما
320
استيلاء موسى بن أبي العافية على تلمسان وفاس وأعمالها
روى صاحب الاستقصا حيث قال: بعد أن انتظم لموسى بن أبي العافية حكم المغربين الأوسط والأقصى، أضاف الى ملكه مدينة نكور في شمال المغرب، وكان ذلك في شهر شعبان عام 320هـ، وعين ولاته على فاس وهم
-       عبد الله بن ثعلبه بن محارب بن عبود الأزدي : عزله ابن ابي العافية وقتله
-       محمد بن ثعلبه بن محارب بن عبود الأزدي : عينه مكان أخيه ثم عزله
-       طوال بن أبي يزيد : وبقي عاملاً على فاس أن خرجت من يده، وخلف عليها ابنه مدين
-       مدين بن موسى بن أبي العافية : عينه والده ابن أبي العافية ورحل هو الى تلمسان
480
عودة الأمير أبي بكر بن عمر اللمتوني إلى بلاد الصحراء
روى صاحب الاستقصا فقال: بعد جهاد الأمير أبي بكر بن عمر اللمتوني في المغرب داعيا لتأسيس دولة المرابطين، عاد الى بلده الأصلي الصحراء بعد أن ترك خليفته ابن عمه يوسف بن تاشفين اللمتوني ليواصل تأسيس الدولة المرابطية في المغرب، وأوصاه بأن يتزوج طليقته الأميرة زينب بنت اسحاق النفزاوية لعدم قدرتها على تحمل قساوة طقسها الحار، وانطلق الى الصحراء مواصلا الجهاد في بلاد السودان إلى أن استشهد من سهم مسموم أصابه في احدى معاركه التي وقعت في شهر شعبان سنة ثمانين وأربعمائة بعد أن استقام له أمر الصحراء كافة إلى جبال الذهب من بلاد السودان، وقد قال المؤرخ ابن خلكان : كان هذا الأمير القائد الأمازيغي رجلا ساذجا خير الطباع مفضلا بلاده الصحراوية لبساطتها على بلاد المغرب لرفاهيتها، وعند سفره اتخذ طريق أغمات نحو تادلا ثم سجلماسة التي أقام بها اياما لينطلق بعدها رأسا الى الصحراء.
516
بداية دعوة المهدي بن تومرت الى تأسيس الدولة الموحدية
روى صاحب الاستقصا فقال: قام محمد المهدي بن تومرت في أوال دعوته الى تأسيس الدولة الموحدية بهجوم على مدينة مراكش بجيش مكون من أهالي أواسط جبال الأطلس الكبير، ولما انتهى الخبر إلى أمير المسلمين جهز لقتالهم جيشاً من الحشم والأجناد فلما التقوا انتصر عليهم الموحدون وهزموهم واتبعوهم حتى أدخلوهم مراكش وحاصروها أياما ًثم أفرجوا عنها حين تكاثرت عليهم جيوش لمتونة وكان ذلك في ثالث شعبان سنة ست عشرة وخمسمائة وقسم المهدي الغنائم التي غنموها من عسكر المرابطين وتلا عليهم قوله تعالى ( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعدل لكم هذه ) الآية وانتشر ذكر المهدي بجميع أقطار المغرب والأندلس وأركب جل جيشه من خيل المرابطين التي غنموها ثم غزا مراكش بنفسه فعبأ جيشه وسار حتى نزل بجبل كيليز بقرب المدينة فأقام محاصراً لها ثلاث سنين يباكرها بالقتال ويراوحها من سنة ست عشرة إلى سنة تسع عشرة.
541
فتح اشبيلية من طرف الموحدين
روى صاحب الاستقصا حيث قال: بعث الخليفة عبدالمومن الموحدي جيشا الى الأندلس فزحف إلى لبلة وكان بها من الثوار يوسف بن أحمد البطروجي فبذل لهم الطاعة ثم زحفوا إلى شلب ففتحوها ثم نهضوا إلى باجة وبطليوس ففتحوهما أيضاً ثم زحفوا إلى إشبيلية فحاصروها براً وبحراً إلى أن فتحوها في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وفر من كان بها من المرابطين إلى قرمونة وقتل من أدركه القتل منهم وقتل في جملتهم عبد الله ولد القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الحافظ المشهور وأصيب في هيعة تلك الدخلة من غير قص
543
فتح قرطبة وغرناطة من طرف الموحدين
في سنة 543هـ فتح الموحدون مدينة قرطبة وكانت تحت إمرة يحيى بن علي المسوفي المعروف بابن غانية مقيماً لدعوة المرابطين فلما دخل الموحدون الأندلس واشتعلت نار الفتنة بحرب المرابطين وانتهز الملك الاسباني الفرصة في بلاد الإسلام وضايق ابن غانية بقرطبة وألح على جهاته حتى نزل له عن بياسة وأبدة وتغلب على أشبونة وطرطوشة والمرية وماردة وأفراغة وشتنرتين وشنتمرية وغيرها من حصون الأندلس وطالب ابن غانية بالزيادة على ما بذل له أو الإفراج عن قرطبة فأرسل ابن غانية إلى بدران بن محمد أمير الموحدين واجتمعا بأستجة وضمن له بدران أمان الخليفة عبد المؤمن الموحدي على أن يتخلى له عن قرطبة وقرمونة ففعل ثم لحق بغرناطة وبها ميمون بن بدر اللمتوني في جماعة من المرابطين وأراد أن يكلمه في الدخول في طاعة الموحدين وأن يمكنهم من غرناطة كما فعل هو بقرطبة فتوفي بغرناطة يوم الجمعة الرابع والعشرين من شعبان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن في القصبة بإزاء قبر باديس بن حبوس الصنهاجي وانتهز الذين كانوا بإشبيلية أبا الغمر بن عزرون لحمايتها ووصل إليه مدد يوسف البطروي من لبلة وبلغ الخبر الخليفة عبد المؤمن الموحدي فبعث إليها عسكراً من الموحدين تحت قيادة يحيى بن يغمور، ولما دخلها أفرج عنها الملك الاسباني لأيم من مدخله وبادر ثوار الأندلس إلى يحيى بن يغمور في طلب الأمان من الخليفة عبد المؤمن ثم تلاحقوا به بمراكش فتقبلهم وصفح لهم عما سلف.
553
بناء المسجد الجامع بمراكش، ودخول مصحف عثمان بن عفان إلى المغرب
روى صاحب الاستقصا حيث قال: كان خبر نقل مصحف عثمان إلى مراكش ما ذكره ابن رشيد في رحلته عن أبي زكريا يحيى بن أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الملك بن طفيل المذكور قال وصل إلى عبد المؤمن ابناه السيدان أبو يعيد وأبو يعقوب من الأندلس وفي صحبتهما مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو الإمام الذي لم يختلف فيه مختلف فتلقى وصوله بالإجلال والإعظام وبودر إليه بما يجب من التبجيل والإكرام، وكان في وصوله ذلك الوقت من عظيم العناية وباهر الكرامة ما هو معتبر لأولي الألباب وذلك أن أمير المؤمنين عبد المؤمن كان قبل ذلك بأيام قد جرى ذكره في خاطره وتروى مع نفسه في كيفية جلبه من مدينة قرطبة محل مثواه القديم فتوقع أن يتأذى أهل ذلك القطر بفراقه ويستوحشوا لفقدان إضاءته وإشرافه فوقف عن ذلك فأوصله الله إليه تحفة سبنية وهدية هنية دون أن يكدرها من البشر اكتساب أو يتقدمها استدعاء أو اجتلاب بل أوقع الله تعالى في نفوس أهل ذلك القطر من الفرح بإرساله ما أطلع بالمشاهدة على صحة صدقة وعضلت مخايل برقة سواكب ودقة وعد ذلك من كرامات المؤمنين عبد المؤمن وسعادته # ثم عزم عبد المؤمن على تعظيم المصحف الكريم وشرع في انتخاب كسوته واختيار حليته فحشر الصناع المتقنين ممن كان بالحضرة وسائر بلاد المغرب بالأندلس فاجتمع لذلك حذاق كل صناعة من المهندسين والصواغين والنظاميين والحلاثين والنقاشين والمرصعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين ولم يبق من يوصف ببراعة أو ينسب إلى الحذق في صناعة إلا أحضر للعمل فيه والاشتغال بمعنى من معانيه # وبالجملة فقد صنعت له أغشية بعضها من السندس وبعضها من الذهب والفضة ورصع ذلك بأنواع اليواقيت وأصناف الأحجار الغريبة النوع والشكل العديمة المثال واتخذ للغشاء محمل بديع مما يناسب ذلك في غرابة الصنعة وبداعة الصبغة، واتخذ للمحمل كرسي على شاكلته.
وفي خلال الاشتغال بهذه الأعمال التي هي غرر الدهر، وفرائد العمر، أمر أدام الله تعالى تأييده ببناء المسجد الجامع بحضرة مراكش، فبدئ ببنيانه وتأسيس قبلته في العشر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكمل منتصف شعبان المكرم من العام المذكور، على أكمل الوجوه، وأغرب الصنائع، وأفسح المساحة، وأبعد البناء والنجارة، وفيه من شمسيّات الزجاج وحركات المنبر المقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستُغرِب تمامُه، فكيف في هذا الأمر اليسير الذي لم يتخيّل أحد من الصّنّاع أن يتم فيه فضلاً عن بنائه؟ وصليت في الجمعة منتصف شعبان المذكور، ونهض أدام الله سبحانه تأييده عقب ذلك لزيارة البقعة المكرمة، والروضة المعظمة، بمدينة تينملل
554
معركة المهدية ببلاد تونس بين الموحدين وجيش صاحب صقلية
ولما كان الثاني والعشرون من شعبان من سنة 554هـ جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينيا غير الطرائد ممدا لأل بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمسير إلى المهدية ليمدوا إخوانهم الذين بها فقدموا في التاريخ المذكور فلما قاربوا المدينة حطوا شرعهم ليدخلوا الميناء فخرج إليهم أسطول الخليفة عبد المؤمن الموحدي وركب العسكر جميعه ووقفوا على جانب البحر فاستعظم الفرنج ما رأوا من كثرة العساكر وداخل الرعب قلوبهم، ونزل الخليفة عبد المؤمن إلى الأرض فجعل يمرغ وجهه ويبكي ويدعو للمسلمين بالنصر واقتتلوا في البحر فانهزمت شواني الفرنج وأعادوا القلوع وساروا وتبعهم المسلمون فأخذوا منهم سبع شواني وكان أمرا عجيبا وفتحا غريبا، ومن غريب الأقدار أن صاحب صقلية لما انهزم قال إن قتل عبد المؤمن لأصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين عندنا بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم فأهلك الله الفرنج غرقاً، وكانت مدة استيلائهم على المهدية اثنتي عشرة سنة
558
عقد ولاية العهد لأبي يعقوب يوسف من طرف والده الخليفة عبدالمومن الموحدي
نقل ابن خلكان في كيفية عزل ولي العهد وجها آخر قال ناقلا من خط العماد بن جبريل أن عبد المؤمن كان في حياته عهد إلى أكبر أولاده وهو محمد وبايعه الناس بعد تحيف الجند له وكتب بيعته إلى البلاد فلما مات عبد المؤمن ولم يتم له الأمر لأنه كان على أمور لا يصلح معها للمملكة من إدمان شرب الخمر واختلاف الرأي وكثرة الطيش وجبن النفس ويقال إنه مع هذا كله كان به ضرب من الجذام واضطرب أمره واختلف الناس عليه فخلع وكانت مدة ولايته خمسة وأربعين يوما وذلك في شعبان من سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وكان الذي سعى في خلعه أخويه أبا يعقوب يوسف وأبا حفص عمر ابني عبد المؤمن ولما تم خلعه دار الأمر بين الأخوين المذكورين وهما من نجباء أولاد عبد المؤمن ومن ذوي الرأي فتأخر منهما أبو حفص عمر وسلم الأمر إلى أخيه أبي يعقوب يوسف فبايعوه واتفقت عليه الكلمة
559
وفاة الشيخ سيدي علي بن حرازم
في سنة تسع وخمسين وخمسمائة توفي الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن حرزهم، وينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو من أهل مدينة فاس وبها توفي أخريات شعبان من سنة 559هـ وكان فقيهاً زاهداً صوفياً قال أبو الحسن في معرض حديثه عن سيرته، اعتكفت على قراءة الإحياء سنة فجردت المسائل التي تنتقد عليه وعزمت على إحراق الكتاب فنمت فرأيت قائلاً يقول جردوه واضربوه حد الفرية فضربت ثمانين سوطا فلما استيقظت جعلت أقلب ظهري ووجدت الألم الشديد من ذلك فتبت إلى الله ثم تأملت المسائل فوجدتها موافقة للكتاب والسنة ومن مواقفه العظمى ما اتفق له مع السلطان علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي في جنازة الشيخ الصالح أبي الحكيم بن برجان عندما توفي، حيث أمر السلطان بعدم دفنه ورميه في مزبلة المدينة لشدة نقمته عليه، لكن الشيخ ابن حرزهم نادى في الأسواق بأن من لم يحضر جنازة الشيخ ابن برجان فعليه لعنة الله، ولما سمع السلطان بذلك أطاع أمر الشيخ وأكرم مثوى الشيخ ابن برجان بما يليق لشخصه، ودفن في مراكش برحبة الحنطة
570
وفاة الشيخ أبو الحسن علي الأنصاري المتيطي
وفي سنة سبعين وخمسمائة توفي الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأنصاري المعروف بالمتيطي ومتيطية قرية بأحواز الجزيرة الخضراء وهو الموثق المشهور لازم بمدينة فاس خاله أبا الحجاج المتيطي وبين يديه تعلم عقد الشروط وله كتاب كبير في الوثائق سماه النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام ثم انتقل إلى سبتة فاستوطنها ولازم مجالس علمائها بالمناظرة والتفقه ومهر في كتابه الشروط واشتغل بها حتى لم يكن في وقته أقدر عليها وكان له في السجلات اليد الطولى وطبع عليها حتى كاد طبعه لا يواتيه في سواها بل كان طبعه في ذلك أكثر من فقهه ثم ولي القضاء بشريش وأصابه خضر لازمه نحو السنتين ثم توفي مستهل شعبان من السنة المذكورة
580
استيلاء ابن غانية على حاضرة بجاية بالجزائر
حكى ابن أبي زرع في استيلاء ابن غانية على بجاية وجها آخر قال دخل اميورقي وهو علي بن إسحاق المذكور مدينة بجاية يوم الجمعة السادس من شعبان سنة ثمانين وخمسمائة والناس في صلاة الجمعة # وكانت أبواب المدن قبل ذلك لا تغلق وقت صلاة الجمعة فارتقب ابن غانية الناس حتى أحرموا بصلاة الجمعة ثم اقتحم عليهم المدينة وعمد إلى الجامع الأعظم وأدار به الخيل والرجل فمن بايعه خلى سبيله ومن توقف عن بيعته ضرب عنقه قال وأقام بها سبعة أشهر ثم استرجعت من يده قال ومن ذلك اليوم اتخذ الناس غلق أبواب المدن يوم الجمعة وقت الصلاة
581
وفاة الشيخ أبوزيد عبدالرحمن بن الخطيب السهيلي
في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة توفي الإمام المشهور أبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن أحمد السهيلي الخثعمي صاحب كتاب الروض الأنف وغيره من التأليف الحسان وصاحب الأبيات المشهورة في الدعاء
يا من يرى ما في الضمير ويسمع
أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها
يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن
أمنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقي إليك وسيلة
فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة
فلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه
إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشى لجودك أن تقنط عاصيا
الفضل أجزل والمواهب أوسع
كان ببلدته سهيل وهي قرية بالقرب من مالقة يتسوغ بالعفاف ويتبغ بالكفاف حتى نمى خبره إلى السلطان بمراكش فطلبه إليه وأحسن إليه وأقبل بوجهه غاية الإقبال عليه فأقام بها نحو ثلاث سنين ثم توفي بها يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان من السنة المذكورة ودفن وقت الظهر خارج باب الرب أحد أبواب مراكش وكان رحمه الله ضريرا نفعنا اله تعالى به
585
عود المنصور إلى إفريقية لمحاربة ابن غانية
قال صاحب الاستقصا : لما قدم المنصور من الأندلس إلى فاس وفرغ من شأن ابن منقذ تواترت إليه الأخبار بأن ابن غانية قد ظهر بإفريقية فنهض إليها من فاس في ثامن شعبان من تلك السنة فدخل تونس في أول ذي القعدة من سنة 585هـ فألقى بلاد إفريقية ساكنة وقد فر ابن غانية عنها إلى الصحراء حين سمع بقدومه
591
معركة الأرك بالأندلس
روى صاحب الاستقصا قال: فلما وصل كتابه إلى أمير المؤمنين يعقوب المنصور الموحدي مزقه وكتب على ظهر قطعة منه وكان المنصور يضرب به المثل في حسن التوقيع كما يأتي في بقية أخباره ( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) ثم كتب الجواب ما ترى لا ما تسمع فهو أول من تكلم به فأرسله مثلا وأنشد متمئلا
ولا كتب إلا المشرفية والفتى
ولا رسل إلا الخميس العرمرم
ثم أمر بالإستنفار واستدعاء الجيوش من الأمصار وضرب السرادقات بظاهر البلد من يومه وجمع العساكر وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة يريد الأندلس، وقال ابن أبي زرع خرج أمير المؤمنين يعقوب المنصور من حضرة مراكش يوم الخميس الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة يولي السير ويطوي المناهل و لا يلوي على فارس ولا راجل والجيوش تتابع في أثره من سائر الأقطار فلما انتهى إلى قصر المجاز أخذ في إجازة الجيوش الواردة عليه لا يفرغ من طائفة إلا وقد لحقت بها أخرى فأجاز أولاً قبائل العرب ثم زناتة ثم المصامدة ثم غمارة ثم المتطوعة من قبائل المغرب ثم الأغزاز والرماة ثم الموحدون ثم العبيد ثم أجاز أمير المؤمنين في أثرهم في موكب عظيم من أشياخ الموحدين وأهل النجدة والزعامة ومعه فقهاء المغرب وصلحاؤه واستقر بالجزيرة الخضراء بعد صلاة الجمعة الموفي عشرين من رجب من السنة المذكورة فأقام بها يوماً واحدا، ثم نهض إلى العدو قبل أن تخمد قرائح المجاهدين وتضعيف نياتهم فسار حتى بقي بينه وبين حصن الأرك الذي كان العدو نازلاً بإزائه نحو مرحلتين فنزل هنالك وذلك يوم الخميس ثالث شعبان من السنة فجمع الناس ذلك اليوم وفاوضهم ووعظهم ثم اختص أهل الأندلس بمزيد المشورة وقال لهم إن جميع من استشرته وإن كانوا أولي بأس ومعرفة بالحرب لكنهم لا يعرفون من قتال الفرنج ما تعرفونه أنتم لتمرسكم بهم وتمرسهم بكم فأحالوه في الرأي على القائد أبي عبد الله بن صناديد فعول المنصور في ذلك على رأيه.
وقال ابن خلدون إن الذي كان على المتطوعة يومئذ هو الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص والكل إلى نظر الشيخ أبي يحيى بن أبي حفص وبقي المنصور رحمه الله في جيش الموحدين والعبيد وأمر الشيخ أبا يحيى بالرحيل والتقدم أمامه إلى جهة العدو، وكان المنصور قد ضفر مع ابن صناديد من الرأي أن يبقى هو متأخراً في الموحدين والعبيد والجشم على مسافة يخفى بها عن أعين العدو ويقدم الشيخ أبا يحيى ببعض الرايات والطبول في هيئة السلطان فيلقى العدو فإن كانت للمسلمين فهو المطلوب وإن كانت عليهم كانا للمنصور رداً لهم ثم يستأنف القتال مع العدو وقد انفل حده ولانت شوكته، فسار الشيخ أبو يحيى على هذا الترتيب وابن صناديد أمامه في فرسان الأندلس وحماتها فكان الشيخ أبو يحيى إذا أقلع بجيشه عن موضع صباحاً خلفه المنصور فيه بجيشه مساء حتى أشرف الشيخ أبو يحيى على جموع الفرنج وهي يومئذ إلى جنب حصن الأرك ويقال أركو بزيادة الواو في آخرة قد ضربت أخبيتها على ربوة عالية ذات مهاو وأحجار كبار قد ملأت السهل والوعر ونزل الشيخ أبو يحيى بجيشه في البسيط ضحوة يوم الأربعاء التاسع من شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وعند ابن خلكان أن ذلك كان يوم الخميس قال واقتفى المنصور في ذلك طريقة أبيه وجده فإنهم أكثر ما كانوا يصافون يوم الخميس ومعظم حركاتهم في صفر فعبأ الشيخ أبو يحيى عساكره تعبئة الحرب وعقد الرايات لأمراء القبائل وأوقف كل قبيلة في مركزها الذي عين لها فجعل عسكر الأندلس في الميمنة وجعل زناتة والمصامدة والعرب وسائر قبائل المغرب في المسيرة وجعل المتطوعة والغزاز والرماة في المقدمة وبقي هو في القلب في قبيلة هنتاتة، ولما أخذ الناس مراكزهم من حومة القتال خرج جرمون بن رياح يمشي في صفوف المسلمين ويحضهم على الثبات والصبر وبينما الناس على ذلك إذ انفصلت من جيوش العدو كتيبة عظيمة من نحو عشرة آلاف فارس كلهم مدجج في الحديد وكانت هذه الكتيبة هي شوكة ذلك الجيش وحده كان الاذفونش قد انتخبهم وصلت أقسته عليهم صلاة النصر ورشوهم بماء المعمودية وتحالفوا عند الصلبان أن لا يبرحوا حتى يقتلوا المسلمين أو يهلكوا دونهم فلما برزت هذه الكتيبة نادى منادي الشيخ أبي يحيى معشر المسلمين اثبتوا في مصافكم وأخلصوا لله تعالى وتمكنوا وأذكروا الله عز وجل في قلوبكم وبرز عامر الزعيم من أمراء العرب فحض الناس على الصبر وثبتتهم وحملت كتيبة العدو حتى اندقت رماح المسلمين في صدور خيلها أو كادت ثم تقهقرت قليلاً ثم عاودت الحملة فكانت كالأولى ثم تهيأت للحملة الثالثة فدفعت حتى خالطت صفوف المسلمين وخلص البعض منها إلى الشيخ أبي يحيى يظنونه المنصور فاستشهد رحمه الله بعد ما أحسن البلاء وقاتل قتالاً شديداً واستشهد معه جماعة من المسلمين من هنتانة والمتطوعة وغيرهم وسمي بنو الشيخ أبي يحيى ببني الشهيد وعرفوا به من يومئذ وأظلم الجو بالغبار واختلطت الرجال بالرجال وانفرد كل قرن بقرنه وأقبلت العرب والمتطوعة فأحاطوا بالكتيبة التي دفعت إلى الشيخ أبي يحيى وزحفت زناتة والمصامدة وغمارة إلى الربوة التي فيها الاذفونش وجموعه وكانت على ما قيل تنيف على ثلاثمائة ألف بين فارس وراجل فتوغل المسلمون في تلك الأوعار إليهم وخالطوهم بها واشتد القتال واستحر القتل في الكتيبة التي دفعت أولاً وانقضت عليهم العرب والمتطوعة وهنتانة فطحنوهم طحناً وانكسرت شوكة النفش بهلاكهم إذ كان اعتماده ومعوله عليهم، وأسرعت خيل من العرب إلى أمير المؤمنين فأعلموه بأن الله تعالى قد فل شوكة العدو وأشرف على الإنهزام فعندها أمر المنصور بالرايات فرفعت وبالطبول فقرعت ورفع المسلمون أصواتهم بالتكبير وتسابقوا لقتال العدو وخفقت البنود وزحف أمير المؤمنين نحو المعركة فلم يرع الفنش اللعين إلا الرايات قد أقبلت تخفق من كل جهة وزعقات الطبول والأبواق وأصوات المجاهدين بالتكبير قد زلزلت الأرض فقال ما هذا فقيل هذا المنصور قد أقبل في جيشه وما قاتلك سائر اليوم إلا بهم الأرض زلزالها فولوا الأدبار لا يلوون على شيء وأسعدهم يومئذ من وجد في فرسه بقية تنجيه وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وأحاط بعضهم بحصن الأراك يظنون أن الفنش قد تحصن به وكان عدو الله قد دخل عنوة وأضرموا النيران في أبوابه واحتووا على جميع ما كان فيه وفي محلة العدو من الأموال والذخائر وأنواع السلاح التي تفوت الحصر
594
تعيين ولاه الموحدين على الأندلس
روى صاحب الاستقصا قال: عقد الخليفة يعقوب المنصور الموحدي على إشبيلية للسيد أبي زيد بن الخليفة وعلى مدينة بطليوس للسيد أبي الربيع ابن السيد أبي حفص وعلى المغرب للسيد أبي عبد الله بن السيد أبي حفص ثم عبر البحر إلى المغرب فوصل إلى مراكش في شعبان سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وفي نفح الطيب أن يعقوب المنصور لما حاصر طليطلة وضيق عليها ولم يبق إلا فتحها خرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد عليهن فرق لهن ومن عليهن به ووهب لهن من الأموال والجواهر ما جل وردهن مكرمات وعفا بعد القدرة
607
خروج الخليفة الناصر الموحدي لغزوة العقاب بالأندلس
ثم اتصلت الأخبار بالخليفة الناصر الموحدي وهو بمراكش أن الملك الفونش قد استطال على ثغور المسلمين بالأندلس وأنه يغير على قراها وينهب الأموال ويسبي النساء والذرية فأهمه ذلك وأقلقه وكتب إلى الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص صاحب إفريقية يستشيره في الغزو فأبى عليه فخالفه، وأخذ في الحركة والاستعداد للجهاد، وكان الناصر معجباً برأيه مستبداً بأموره ففرق الأموال على القواد والأجناد وكتب إلى جميع بلاد إفريقية والمغرب وبلاد القبلة يستنفر المسلمين لغزو الكفار، فأجابه خلق كثير وألزم كل قبيلة من قبائل العرب بحصة من الخيل والرجل تخرج للجهاد فتقدمت عليه الجيوش من سائر الأقطار وتسارع الناس إليه خفافاً وثقالاً من البوادي والأمصار، فلما تكاملت لديه الحشود وتوافت بحضرته الجنود خرج من مراكش في تاسع عشر شعبان سنة سبع وستمائة فانتهى إلى قصر المجاز فأقام به وشرع في إجازة الجيوش من أوائل شوال إلى أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة فتلقاه هنالك قواد الأندلس وفقهاؤها ورؤساؤها وأقام بطريف ثلاثاً ثم نهض إلى إشبيلية في أمم لا تحصى وجيوش لا تستقصى قد ملأت السهل والوعر، حكى بعض الثقات من مؤرخي المغرب أنه اجتمع مع الناصر في هذه الغزوة من أهل المغرب والأندلس ستمائة ألف مقاتل وكان الناصر رحمه الله قد أعجبه ما رأى من كثرة جنوده وأيقن بالظفر فقسم الناس على خمس فرق وهي
-       فرقة العرب
-       فرقة زناتة وصنهاجة و المصامدة و غمارة وسائر أصناف قبائل المغرب
-       فرقة المتطوعة
-       فرقة جند الأندلس
-       فرقة الموحدين
وأمر كل فرقة أن تنزل ناحية واهتزت جميع بلاد الفرنج لجوازه الى الاندلس، وتمكن رعبه في قلوبهم فأخذوا في تحصين بلادهم وإخلاء ما قرب من المسلمين من قراهم وحصونهم وكتب إليه أكثر أمرائهم يسألونه السلم ويطلبون منه العفو، ووفد عليه منهم ملك ينبلونة مستسلما خاضعا طالبا للصلح فيقال إنه قدم بين يديه كتاب النبي كتبه إلى هرقل ملك الروم يستشفع به وقد كان هذا الكتاب وقع إليه وراثة من بعض سلفه فاحتفل الناصر لقدومه وصف له الجيوش من باب مدينة قرمونة إلى باب إشبيلية أربعين ميلا ثم عقد له الصلح ما دامت دولة الموحدين وصرفه إلى بلاده مكرما مسعفا بجميع مطالبه، وعند ابن خلدون أن الذي وفد عليه الناصر في هذه الغزوة هو البيوج أحد الملوك الثلاثة الذين شهدوا وقعة الأرك، قال وهو الذي مكر بالناصر يوم العقاب قدم عليه وأظهر له التنصح وبذل له أموالا ثم غدر به وجر عليه الهزيمة
610
وفاة الخليفة الناصر الموحدي
وفي أواخر حياته دخل الخليفة الناصر الموحدي قصره، واحتجب فيه عن الناس وانغمس في لذاته مصطحبا ومغتبقا إلى أن حل شهر شعبان من سنة عشر وستمائة فمات مسموما بتدبير وزرائه عليه في ذلك، وكانت وفاته يوم الأربعاء الحادي عشر من شعبان المذكور، وقال ابن خلكان أن المغاربة يقولون إن الناصر كان قد أوصى إلى عبيده المشتغلين بحراسة بستانه بمراكش أن كل من ظهر لهم بالليل فهو مباح الدم لهم ثم أراد أن يختبر قدر أمره عندهم فتـنكر وجعل يمشي في البستان ليلا وعندما رأوه جعلوه غرضا لرماحهم فجعل يقول أنا الخليفة أنا الخليفة فما تحققوه حتى فرغوا منه، والله أعلم بالحقيقة، والصحيح في وفاة الناصر ما ذكره الوزير ابن الخطيب في رقم الحلل حيث قال: ثم صرف الناصر وجهه إلى غزو الأندلس في عزم لم يبلغ إليه ملك قبله ولما احتل رباط الفتح من سلا نزل به الموت فتوفي ليلة الثلاثاء عاشر شعبان سنة عشر وستمائة فانحل العزم وتفرقت الجموع والبقاء له وحده
618
وفاة صاحب افريقية الشيخ ابو محمد عبدالواحد بن أبي حفص
وفي سنة ثمان عشرة وستمائة توفي صاحب إفريقية الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص فبايع الموحدون بإفريقية ابنه ابا زيد عبد الرحمن فقام بالأمر من بعده، وأطفأ النائرة وافاض العطاء ومهد النواحي ورتب الأمور حتى ورد كتاب المنتصر من مراكش لثلاثة أشهر من ولايته بتأخيره وتولية السيد أبي العلاء الكبير مكانه وهو إدريس بن يوسف بن عبدالمؤمن فقدم إفريقية في ذي القعدة سنة ثمان عشرة وستمائة ووالى الهزائم على ابن غانية الثائر بإفريقية حتى شرد إلى الصحراء وأبو العلاء هذا هو الذي بنى البرجين الذين على باب المهدية وحصنها وهو الذي بنى برج الذهب بإشبيلية أيام ولايته عليها في دولة أبيه وأقام أبو العلاء بإفريقية إلى أن توفي بتونس منها في شعبان سنة عشرين وستمائة، فاستولى على إفريقية بعده ابنه أبو زيد بن إدريس وساءت سيرته في الناس وأقام على ذلك إلى دولة الخليفة العادل عبد الله بن المنصور الموحدي صاحب مراكش فعزله وولى مكانه عبد الله بن عبد الواحد بن أبي حفص، ثم غلب عليه أخوه أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص وتداول ملك إفريقية بنوه من بعده واستبدوا بها واقتطعوها عن نظر بني عبد المؤمن الموحدين أصحاب مراكش فلم تعد إليهم بعد
621
بيعة الخليفة أبي محمد عبد الله العادل ابن المنصور الموحدي
بويع له البيعة الأولى مرسية من بلاد الأندلس، وتلقب بالعادل في أحكام الله ثم خلص له الأمر وبايعه كافة الموحدين وخطب له بحضرة مراكش أواخر شعبان سنة 621هـ، وتوقف عن بيعته السيد أبو زيد بن أبي عبد الله أخو البياسي، وكان واليا على بلنسية وشاطبة ودانية بالاندلس، ولما رأى السيد أبو محمد البياسي أخاه السيد أبا زيد توقف عن بيعة العادل وضبط بلاده ثار هو ببياسة وما انضاف إليها من قرطبة وجيان وقيجاطة وحصون الثغر الأوسط وتلقب بالظافر وإنما دعي البياسي لقيامه من بياسة فوصلت بيعة الموحدين من مراكش إلى العادل ومعها كتاب أبي زكريا يحي ابن الشهيد شيخ هنتانة بقصة المخلوع وما كان من أمره فصادف وصولهما هيجان هذه الفتنة فشغل العادل بها عن مراكش، وبعث أخاه السيد أبا العلاء الأصغر وهو إدريس بن المنصور في جيش كثيف إلى البياسي فحاصره ببياسة ولما اشتد عليه الحصار أظهر الطاعة والانقياد وبايع للعادل حتى إذا أفرج عنه أبو العلاء عاد إلى النكث وبعث إلى الفونش يستنصره على العادل وضمن له أن ينزل له عن يباسة وقيجاطة فكان أول من سن إعطاء الحصون والبلاد للفرنج فوجه إليه الفونش بجيش من 20.000 عشرين ألفا جندي، ولما توافت لديه جموع الفرنج نهض من قرطبة يريد غبيلية حتى إذا دنا منها خرج إليه السيد أبو العلاء الأصغر وهو الذي دعي بالمأمون فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم السيد أبو العلاء واستولى البياسي والفرنج على محلته بما فيها من أثاث وسلاح ودواب وغير ذلك، ولما رأى العادل ما وقع بأخيه وجنده خشي أن يتفاقم داء البياسي ويمتد عباب فتنته إلى مراكش فترك أخاه أبا العلاء قبالته وعبر البحر إلى العدوة ولما احتل بقصر المجاز دخل عليه عبد الله بن عبد الواحد بن أبي حفص المدعو بعبو فقال له العادل كيف حالك فأنشده
حال متى علم ابن المنصور بها
جاء الزمان إلي منها تائبا
فاستحسن ذلك منه وولاه إفريقية وهذا البيت لأبي الطيب المتنبي وإنما تمثل به عبو لموافقة اسم منصور فيه لاسم والد العادل فحسن التمثيل به.
645
استيلاء الاسبان على مدينة اشبيلية بالأندلس
ولأول دولة المرتضى كان استيلاء العدو على إشبيلية إحدى قواعد الأندلس فإن طاغية قشتالة وهو الإصبينول حاصرها سنة خمس وأربعين وستمائة وفي يوم الاثنين الخامس من شعبان وانتقل كرسي المملكة الإسلامية بالأندلس إلى غرناطة وذلك في دولة بني الأحمر
666
فتح حاضرة مراكش ومقتل الخليفة أبي دبوس وانقراض دولة الموحدين بها
قال صاحب الاسقصا: لما قفل السلطان يعقوب بن عبدالحق المريني من حرب يغمراسن صرف عزمه إلى غزو مراكش والعود إلى حصارها كما كان أول مرة فنهض إليها من فاس في شعبان سنة ست وستين وستمائة ولما عبروا وادي أم الربيع بث السرايا وشن الغارات وأطلق الأعنة والأيدي للنهب والعيث فحطموا زروعها وانتسفوا آثارها وتقرى نواحيها كذلك بقية عامه ثم غزا عرب الخلط من جشم بتادلا فأثخن فيهم واستباحهم م نزل وادي العبيد فأقام هنالك أياما ثم غزا بلاد صنهاجة فاستباحها ولم يزل ينقل ركابه في أحواز مراكش ويجوس خلالها إلى آخر ذي القعدة من سنة سبع وستين وستمائة فاجتمع أشياخ القبائل من العرب والمصامدة عند أبي دبوس وقالوا له يا مولانا كم تقعد عن حرب بني مرين وقد ترى ما نزل بنا في حريمنا وأموالنا منهم فاخرج بنا إليهم لعل اله يجعله سبب الفتح فإنهم قليلون وجمهورهم وذوو الشوكة منهم قد بقوا برباط تازة لحراسة ذلك الثغر من بني عبد الواد ولم يزالوا يفتلون له في الذروة والغارب حتى أجابهم إلى رأيهم فاستعد للحرب وبرز من حضرة مراكش في جيوش ضخمة وجموع وافرة فاسجره السلطان يعقوب بالفرار أمامه ليبعد عن مدد الصريخ فيستمكن منه فلم يزل أبو دبوس يسعى خلفه حتى نزل ودغفوا فحينئذ كر عليه السلطان يعقوب فالتحمت الحرب واختل مصاف أبي دبوس وفر يسابق إلى مراكش وأين منه مراكش فأدركته الخيول وحطمته الرماح فخر صريعا واحتز رأسه وجيء به إلى السلطان يعقوب فسجد شكرا لله تعالى وذلك يوم الأحد ثاني محرم سنة ثمان وستين وستمائة ثم تقدم السلطان يعقوب نحو مراكش وفر من كان بها من الموحدين إلى تينملل وبايعوا إسحاق أخا المرتضى فبقي ذبالة هنالك إلى أن قبض عليه سنة أربع وسبعين وستمائة وجيء به في جماعة من قومه إلى السلطان يعقوب فقتلوا جميعا وانقرض أمر بني عبد المؤمن والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ثم خرج الملأ وأهل الشورى من الحضرة إلى لقاء السلطان يعقوب ففرح بهم وأمنهم ووصهم ودخل مراكش في عسكر ضخم وموكب فخم يوم الأحد التاسع من محرم المذكور وورث ملك آل عبد المؤمن وتملاه واستوسق أمره بالمغرب وتطامن الناس لبأسه وسكنوا لظل سلطانه وأقام بمراكش إلى رمضان من سنته ثم أغزا ابنه الأمير أبا مالك عبد الواحد بن يعقوب بلاد السوس فافتتحها وأوغل في ديارها ودوخ أقطارها ورجع إلى أبيه واستمر السلطان يعقوب بمراكش يصلح شؤونها إلى رمضان من سنة تسع وستين وستمائة فخرج بنفسه إلى بلاد درعة فأوقع بعربها الوقيعة المشهورة التي خضدت من شوكتهم ورجع لشهرين من غزاته ثم أجمع الرحلة إلى دار ملكه بفاس فعقد على مراكش لمحمد بن علي بن يحي من كبار أوليائهم ومن أهل خؤلته وكان من طبقة الوزراء وأنزله بقصبة مراكش وجعل المسالح في أعمالها لنظره وعهد إليه بتدويخ الأقطار ومحو آثار بني عبد المؤمن وفصل من مراكش قاصدا حضرة فاس في شوال من السنة المذكورة والله تعالى أعلم
674
بناء قلعة عسكرية ازاء الجزيرة الخضراء
دخل فصل الشتاء فنظر السلطان يعقوب المنصور المريني في اختطاط مدينتة بفرضة المجاز من العدوة لنزول عسكره منتبذا عن الرعية لما يلحقهم من ضرر العسكر وجفائهم وتخير لها مكانا ملاصقا للجزيرة فأوعز ببناء المدينة المشهورة بالبنية ثم أجاز البحر إلى المغرب في رجب من سنته أعني سنة أربع وسبعين وستمائة فكان مغيبه وراء البحر ستة أشهر واحتل بقصر مصمودة وأمر ببناء السور على باديس مرفأ السفن ومحل العبور من بلاد غمارة ثم رحل إلى فاس فدخلها في النصف من شعبان من السنة المذكورة
681
الجواز الثالث للسلطان يعقوب المنصور المريني إلى الأندلس مغيثا ًللعاهل الاسباني ومغتنما فرصة الجهاد
لما كان السلطان يعقوب رحمه الله بمراكش سنة إحدى وثمانين وستمائة قدم عليه طاغية الإضبنيول واسمه هراندة مع وفد من بطارقته وزعماء دولته مستصرخاً له على ابنه سانجة الخارج عليه في طائفة من النصارى وأنهم غلبوه على أمره زاعمين بأنه شاخ وضعف عن تدبيرهم ولم يقدر على القيام بنصرتهم فاستنصر عليهم ودعاه لحربهم وأمله لاسترجاع ملكه من يدهم فاغتنم السلطان يعقوب هذه الفرصة في الحال وجعل جوابه نفس النهوض والارتحال فسار معهم لم يعرج على شيء حتى أتى قصر المجاز وهو قصر مصمودة فعبر منه واحتل لوقته بالجزيرة الخضراء في ربيع الثاني من سنة إحدى ثمانين المذكورة وأوعز إلى الناس بالنفير إلى الجهاد واجتمعت عيه مسالح الثغور بالأندلس وسار حتى نزل صخرة عباد وهناك قدم عليه الطاغية هراندة ذليلا لعزة الإسلام مؤملا صريخ السلطان فأكرم موصله وأكرم وفادته.
وذكر ابن خلدون وابن الخطيب وغيرهما من الأثبات أن هذا الطاغية لما اجتمع بالسلطان يعقوب المنصور المريني قبل يده لقدره وخضوعا لعزه فدعا السلطان بماء فغسل يده من تلك القبلة بمحضر من كان هناك من جموع المسلمين والفرنج ثم التمس الطاغية من السلطان أن يمده بشيء من المال ليستعين به على حربه ونفقاته فأسلفه السلطان مائة ألف دينار من بيت مال المسلمين رهنه الطاغية فيها تاجه الموروث عن سلفه، وأضاف ابن خلدون وبقي هذا التاج بدار بني يعقوب بن عبد الق المرينيين فخرا للأعقاب لهذا العهد قلت وما أبعد حال هذا الطاغية المهين من حال عطارد بن حاجب التميمي الذي لم يسلم قوس أبيه على تطاول السنين والقصة مشهورة فانظر ما بين الهمم العربية والعجمية من البون وحال الفريقين في الابتذال والصون
قال صاحب الاستقصا: تقدم السلطان يعقوب المنصور المريني مع الملك الاسباني ودخل دار الحرب {بلاد الأندلس} غازيا حتى نازل قرطبة وبها يومئذ الأمير سانجة ابن الطاغية الخارج عليه مع طائفته فقاتلها أياما ثم أفرج عنها وتنقل في جهاتها وبعث سراياه إلى جيان فأفسدوا زروعها ثم ارتحل إلى طليطلة فعاث في جهاتها وخرب عمرانها حتى انتهى إلى حصن مجريط {مدريد} من أقصى الثغر فامتلأت أيدي المسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم التي استاقوها فقفل السلطان من أجل ذلك إلى الجزيرة فاحتل بها في شعبان سنة 681هـ وأقام بها إلى آخر السنة المذكورة وكانت غزوة لم يسمح الدهر بمثلها
683
غزو بلاد سوس من قبل المرينيين
عبر السلطان إلى المغرب في فاتح شعبان ومعه ابنه أو زيان منديل فأراح بطنجة ثلاثا ثم نهض إلى فاس فدخلها آخر شعبان ولما قضى صيامه ونسك عيده ارتحل إلى مراكش لتمهيدها وتفقد أحوالها وقسم من نظره لنواحي سلا حظا فأقام برباط الفتح شهرين اثنين وتوفيت في هذه المدة الحرة أم العز بنت محمد بن حازم العلوي وهي أم الأمير يوسف وكانت وفاتها برباط الفتح ودفنت بشالة، ثم نهض السلطان يعقوب إلى مراكش فدخلها فاتح ثلاث وثمانين وستمائة وبلغه مهلك الطاغية هراندة بن أذفونش واجتماع النصرانية على ابنه سانجة الخارج عليه فحركت همته إلى الجهاد ثم سرح ابنه الأمير يوسف ولي عهده بالعسكر إلى بلاد سوس لغزو العرب الذين بها وكف عاديتهم ومحو آثار الخوارج المنتهزين على الدولة فأجفلوا أمامه واتبع آثارهم إلى الساقية الحمراء آخر العمران من بلاد سوس فهلك أكثر العرب في تلك القفار جوعا وعطشا، وقفل راجعا لما بلغه من اعتلال والده السلطان يعقوب فوصل إلى مراكش وقد أبل من مرضه وعزم على الجهاد شكرا لله تعالى على نعمة العافية وفي هذه السنة وصل ماء عين غبولة إلى قصبة رباط الفتح بأمر السلطان يعقوب وكان ذلك على يد المعلم المهندس أبي الحسن علي بن الحاج
684
وفادة الملك الاسباني على السلطان يعقوب المنصور المريني بأحواز الجزيرة الخضراء وعقد الصلح بينهما
قال ابن خلدون: لما نزل ببلاد النصرانية من السلطان يعقوب ما نزل من تدمير قراهم واكتساح أموالهم وسبي نسائهم وإبادة مفاتلتهم وتخريب معاقلهم وانتساف عمرانهم زاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر واستيقنوا أن لا عاصم لهم من أمير المسلمين فاجتمعوا إلى طاغيتهم سانجة خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة متوجعين مما أذاقهم جنود الله من سوء العذاب وأليم لنكال وحملوه على الضراعة لأمير المسلمين في السلم وإيفاد الملأ من كبار النصرانية عليه في ذلك وإلا فلا تزال تصيبهم منه قارعة أو تحل قريبا من دارهم فأجاب إلى ما دعوه إليه من الخسف والهضيمية لدينه وأوفد على أمير المسلمين وهو بالجزيرة الخضراء وفدا من بطارقتهم وشماستهم يخطبون السلم ويضرعون في المهادنة والإبقاء ووضع أوزار الحرب فردهم أمير المسلمين اعتزازا عليهم ثم أعادهم الطاغية بترديد الرغبة على أن يشترط ما شاء من عز دينه وقومه فأسعفهم أمير المسلمين وجنح إلى السلم لما تيقن من صاغيتهم إليه وذلهم لعز الإسلام وأجابهم إلى ما سألوه واشترط عليهم ما تقبلوه من مسالمة المسلمين كافة من قومه وغير قومه والوقوف عند مرضاته في ولاية جيرانه من الملوك أو عدواتهم ورفع الضريبة عن تجار المسلمين بدار الحرب من بلاده وترك التضريب بين ملوك المسلمين والدخول بينهم في فتنة واستدعى السلطان الشيخ أبا محمد عبد الحق الترجمان وبعثه لاشتراط ذلك وإحكام عقده فسار عبد الحق إلى الطاغية سانجة وهو بإشبيلية فعقد معه الصلح واستبلغ وأكد في الوفاء بهذه الشروط ووفدت رسل ابن الأحمر على الطاغية وهو عنده لعقد السلم معه على قومه وبلاده دون أمير المسلمين وأن يكون معه يدا واحدة عليه فأحضرهم الطاغية بمشهد عبد الحق وأسمعهم ما عقد مع أمير المسلمين على قومه وأهل ملته كافة وقال لهم إنما أنتم عبيد آبائي فلستم معي في مقام السلم والحرب وهذا أمير المسلمين على الحقيقة ولست أطيق مقاومته ولا دفاعه عن نفسي فكيف عنكم فانصرفوا ولما رأى عبد الحق ميله إلى رضا السلطان وسوس إليه بالوفادة عليه لتتمكن الألفة وتستحكم العقدة وأراه مغبة ذلك في سل السخيمة وتسكين الحفيظة فمال إلى موافقته وسأله لقيا الأمير يوسف ولي عهد السلطان أولا ليطمئن قلبه فوصل إليه ولقيه على فراسخ من شريش وباتا بمعسكر المسلمين هنالك ثم ارتحلا من الغد للقاء السلطان يعقوب المنصور المريني وكان قد أمر الناس بالاحتفال لقاء الطاغية وقومه وإظهار شعائر الإسلام وأبهته وأن لا يلبسوا إلا البياض فاحتفلوا وتأهبوا وأظهروا عز الملة وشدة الشوكة ووفور الحامية، وقدم الطاغية في جماعته سود اللباس خاضعين ذليلين فاجتمعوا بالأمير بحصن الصخرات على مقرب من وادي لك وذلك يوم الأحد العشرين من شعبان سنة 684 هـ سنة أربع وثمانين وستمائة، وتقدم الطاغية فلقيه أمير المسلمين بأحسن مبرة وأتم كرامة يلقى بها مثله من عظماء الملل وقدم الطاغية بين يديه هدية من طرف بلاده أتحف بها السلطان وولي عهده كان فيها زوج من الخيول الوحشي المسمى بالفيل وحمارة من حمر الوحش إلى غير ذلك من الطرف فقبلها السلطان وابنه وأضعفوا له المكافأة وكمل عقد السلم وقبل الطاغية سائر الشروط ورضي بعز الإسلام عليه وانقلب إلى قومه بملء صدره من الرضى والمسرة وسأل منه السلطان أن يبعث إليه بكتب العلم التي بأيدي النصارى منذ استيلائهم على مدن الإسلام فبعث إليه منها ثلاثة عشر حملا فيها جملة من مصاحف القرآن الكريم وتفاسيره كابن عطية والثعلبي ومن كتب الحديث وشروحاتها كالتهذيب والاستذكار ومن كتب الأصول والفروع واللغة العربية والأدب وغير ذلك فأمر السلطان رحمه الله بحملها إلى فاس وتحبيسها على المدرسة التي أسسها بها لطلبة العلم، وقفل السلطان راجعا فاحتل بقصره بالجزيرة الخضراء لليلتين بقيتا من شعبان فقضى صومه في رمضان ونسك عيده وجعل من قيام ليلة جزءا لمحاضرة أهل العلم وأعد الشعراء كلمات أنشدوها يوم عيد الفطر بمشهد الملأ في مجلس السلطان وكان من أسبقهم في ذلك الميدان شاعر الدولة أبو فارس عبد العزيز الملزوزي الأصل المكناسي الدار ويعرف بعزوز أتى بقصيدة طويلة من بحر الوافر على روي الباء المفتوحة المردوفة بالألف ذكر فيها سيرة السلطان وغزواته وغزوات بنيه وحفدته، وامتدح قبائل مرين ورتبهم على منازلهم وذكر فضلهم وقيامهم بالجهاد وذكر قبائل العرب على اختلافها وأنشدت بمائتي دينار، ثم أعمل السلطان نظره في الثغور فرتب بها المسالح وبعث ولده الأمير أبا زيان منديلا ليقف على الحدود بين أرضه وأرض ابن الأحمر، وعقد له على تلك الناحية وأنزله بحصن ذكوان قرب مالقة وأوصاه أن لا يحدث في بلاد ابن الأحمر حدثا وعقد لعاد بن أبي عياد العاصمي على مسلحة أخرى وأنزله بأسطبونة وأجاز ابنه الأمير يوسف إلى الغرب لتفقد أحواله ومباشرة أموره وأمره أن يبني على قبر والده أبي الملوك عبد الحق بتافر طاست زاوية فاختط هنالك رباطا حفيلا وبنى على قبر الأمير عبد الحق إدريس أسنمة من الرخام ونقشها بالكتابة ورتب عليها قراء لتلاوة القرآن ووقف على ذلك ضياعا وأرضا تسع حرث أربعين زوجا رحم الله الجميع بمنه
691
ثورة عمر بن يحي بن الوزير الوطاسي بحصن تازوطا
اعلم أن بني وطاس فخذ من بني مرين لكنهم ليسوا من بني عبد الحق وكانت الرياسة فيهم لبني الوزير منهم وبنو الوزير يزعمون أن نسبهم دخيل في مرين وأنهم من أعقاب يوسف بن تاشفين اللمتوني لحقوا بالبادية ونزلوا على بني وطاس فالتحموا بهم ولبسوا جلدتهم وحازوا رياستهم ولما دخل بنو مرين المغرب واقتسموا أعماله، بقيت بلاد الريف خالصة لبني وطاس هؤلاء فكانت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وكان حصن تازوطا بها من أمنع معاقل المغرب ولما غلب الأمير أبو بكر بن عبد الحق المريني على مكناسة وأقام فيها دعوة الحفصيين ونهض السعيد بن المأمون الموحدي من مراكش لغزوه فر أمامه إلى حصن تازوطا هذا ونزل به على بني الوزير هؤلاء لاجئا إليهم ومستجيرا بهم فأرادوا الفتك به غيرة منه وحسدا له فشعر بهم وتحول عنهم إلى عين الصفا من بلاد يزناسن، ولما انقرض أمر بني عبد المؤمن الموحدين واستقام ملك المغرب لبني مرين صرفوا عنايتهم إلى هذا الحصن فكانوا ينزلون به من الحامية من يثقون بغنائه واضطلاعه ليكون آخذا بناصية هؤلاء الرهط من بني وطاس لما يعلمون من سموهم إلى الرياسة وتطلعهم إليها وكان السلطان يوسف رحمه الله قد عقد على هذا الحصن لابن أخيه منصور بن عبد الواحد بن يعقوب وكان عمر وعامر ابنا يحيى ابن الوزير رئيسين على بني وطاس لذلك العهد فاستهونوا أمر السلطان يوسف بعد موت والده وحدثوا أنفسهم بالثورة في ذلك الحصن والاستبداد بتلك الناحية فوثب عمر بن يحي بن الوزير الوطاسي منهم بمنصور بن عبد الواحد في شعبان من سنة إحدى وتسعين وستمائة وفتك بحاشيته ورجاله وأزعجه عن الحصن وغلبه على ما كان بقصره من مال وسلاح ومتاع وأعشار للروم كانت مختزنة هنالك وضبط الحصن وشحنه برجاله ووجوه قومه ولحق منصور بن عبد الواحد بعمه السلطان يوسف فهلك لليال أسفا على ما أصابه، وسرح السلطان يوسف وزيره الناصح أبا عمر بن السعد بن خرباش الحشمي بالحاء المهملة في العساكر لمنازلة حصن تازوطا فأناخ عليه بكلكله ثم تبعه السلطان يوسف على أثره وفي صحبته عامر بن يحي بن الوزير أخو عمر الثائر فإنه كان قد نزع إليه فأحاط السلطان بالحصن وضيق عليه حتى اشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص وظن أنه قد أحبط به فدس إلى أخيه عامر في كشف ما نزل به فضمن عامر للسلطان يوسف نزول أخيه إن هو تركه يصعد إليه حتى يجتمع به فأذن له السلطان يوسف في ذلك فصعد إليه وتفاوضا في أمرهما وآخر الأمر أن عمر احتمل الذخيرة وفر ليلا على تلمسان وبدا لعامر في النزول عندما صار في الحصن فامتنع به قيل لأنه بلغه أن السلطان يوسف عزم على قتله أخذا بثار ابن أخيه منصور ولإفلاته أخاه من يده
698
الحصار الطويل لحاضرة تلمسان من طرف المرينيين
قال ابن خلدون: لما رجع السلطان يوسف المريني من محاصرة تلمسان في فاتح سنة ثمان وتسعين وستمائة مر في طريقه بوجدة فأنزل بها الحامية من بني عسكر إلى نظر أخيه الأمير أبي بكر، وأمره بشن الغارات على أعمال بني زيان فامتثل الأمير أبو بكر أمره وألح على النواحي بالغارات وإفساد السابلة فضاق أهل ندرومة بذلك ذرعا وأوفدوا وفدا منهم على الأمير أبي بكر يسألونه الأمان لهم ولمن وراءهم من قومهم على أن يمكنوه من قياد بلدهم ويدينوا بطاعة السلطان يوسف فبذل لهم من ذلك أهل تاونات فأوفد الأمير أبو بكر جماعة من أهل البلدين على أخيه السلطان يوسف المريني فقدموا عليه منتصف رجب من سنة ثمان وتسعين المذكورة فادوا طاعتهم فقبلها ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوهم وعدوهم عثمان بن يغمراسن ووصفوا له من عسفه وجورة وضعفه عن الحماية ما أكد عزمه على النهوض فنهض لحينه من فاس في رجب المذكور بعد أن استكمل حشده ونادى في قومه وعرض عسكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم وسار في التعبية حتى نزل بساحة تلمسان ثاني شعبان سنة ثمان وتسعين وستمائة فأناخ عليها بكلكله وربض قبالتها على ترائبه وأنزل محلته بفنائها وأحاط بجميع جهاتها وتحصن يغمراسن وقومه بالجدران وعولوا على الحصار، ولما رأى السلطان يوسف ذلك أدار سورا عظيما جعله سياجا على تلمسان وما اتصل بها من العمران وصيرها في وسطه ثم أردف ذلك السور من ورائه بحفير بعيد المهوى وفتح فيه مداخل لحربها ورتب على ابواب تلك المداخل مسالح تحرسه وأوعد بالعقاب من يختلف إلى تلمسان برفق أو يتسلل إليها بقوت وأخذ بمخنقها من بين يديها ومن خلفها حتى لم يخلص إليها الطير لا بل الطيف واستمر مقيما عليها كذلك مائة شهر
701
نكبة يهود بني وقاصة بفاس
قال المؤرخ: كان بنو وقاصة هؤلاء من يهود ملاح فاس، وكانوا مداخلين للسلطان يوسف المريني من صغره إلى كبره وكانوا يتولون قهرمة داره ويقضون أموره الخاصة به ويخلصون إلى الكثير من باطن أمره حتى التحموا به التحاما وامتزجوا به امتزاجا يجالسونه في خلواته وينادمونه في أنسه فعظم جاههم عند الحاشية لإقبال السلطان عليهم واستتبعوا الوزراء فمن دونهم من رجال الدولة وتعددت فيهم الرؤساء والقهارمة فكان منهم خليفة بن وقاصة وأخوه إبراهام وصهره موسى بن السبتي وابن عمه خليفة الأصغر وغيرهم واستمروا على ذلك فترة من الدهر ثم إن السلطان يوسف استفاق استفاقة والتفت إليهم التفاتة وراجع بصيرته في شأنهم فأهمه أمرهم وشعر كاتبه بذلك القائم بأمور دولته أبو محمد عبد الله بن ابي مدين فسعى عنده فيهم وأوجده السبيل عليهم فسطا بهم سطوة منكرة واعتقلوا في شعبان من سنة إحدى وسبعمائة بمعسكره من حصار تلمسان وقتل خليفة الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي وإخوته بعد أن امتحنوا ومثل بهم وأتت النكبة على حاشيتهم وأقاربهم فلم تبق منهم باقية إلا أن السلطان استبقى مهم خليفة الأصغر احتقارا لشأنه حتى كان من قتله بعد ما نذكره وعبث بسائرهم وطهرت الدولة من رجسهم وأزيل منها معرة رياستهم
703
زيارة شرفاء مكة المكرمة للسلطان يوسف المريني واستصراخهم ضد سلطان مصر
وفي شعبان من سنة 703هـ قدم أبو زيد الغفاري دليل ركب الحاج الثاني ومعه بيعة شرفاء أهل مكة للسلطان يوسف المريني لما كان صاحب مصر قد آسعفهم بالقبض على إخوانهم وكان ذلك شأنهم متى غاظهم السلطان وأهدوا إلى السلطان يوسف المريني ثوبا من كسوة الكعبة فأعجب به واتخذ منه ثوبا للبوسه في الجمع والأعياد وكان يستنبطه بين ثيابه تبركا به
707
غزو قبيلة سكسيوة بجنوب مراكش من قبل السلطان أبي ثابت المريني
خرج السلطان أبو ثابت المريني في منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوي وتدويخ جهات مراكش فنزل بتامزوارت وتلقاه السكسيوي بالبيعة والهدية والضيافة فقبل السلطان ذلك منه ثم بعث قائده يعقوب بن آصناك في جيش من ثلاثة آلاف فارس إلى بلاد حاحة برسم غزو قبائل زكنة ففروا بين يديه حتى دخلوا بلاد القبلة وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان بتامزوارت وأخبره بسكون البلاد وأمنها فانكفأ السلطان أبو ثابت راجعاً إلى مراكش فدخلها غرة رمضان من سنة سبع وسبعمائة
711
كارثة الجفاف والقحط بالمغرب
وفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة كان القحط بالمغرب فاستسقى الناس وخرج السلطان أبو سعيد المريني ماشيا على قدميه لإقامة سنة الاستسقاء وذلك في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان من سنة 711هـ وتقدم أمامه الصلحاء والفقهاء والقراء يدعون الله تعالى وقدم بين يدي نجواه صدقات وفرق أموالا وفي يوم السبت بعده خرج في جنده إلى قبر الشيخ أبي يعقوب الأشقر بجبل الكندرتين فدعا هنالك ورحم الله تعالى عباده وغاث أرضه وبلاده
723
وفي في فاتح شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة أمر السلطان أبو سعيد المريني ببناء المدرسة العظمى بإزاء جامع القرويين بفاس، وهي المعروفة اليوم بمدرسة العطارين فبنيت على يد الشيخ أبي محمد عبد الله بن قاسم المزوار، وحضر السلطان أبو سعيد بنفسه في جماعة من الفقهاء وأهل الخير حتى أسست وشرع في بنائها بمحضره فجاءت هذه المدرسة من أعجب مصانع الدول بحيث لم يبن ملك قبله مثلها، وأجرى بها ماء معينا من بعض العيون هنالك وشحنها بالطلبة ورتب فيها إماما ومؤذنين وقومة يقومون بأمرها ورتب فيها الفقهاء لتدريس العلم وأجرى على الكل المرتبات والمؤن فوق الكفاية واشترى عدة أملاك، ووقفها عليها احتسابا بالله تعالى وسيأتي التنبيه على ما بناه ابنه أبو الحسن من ذلك أيام ولايته وحافده أبو عنان وغيرهما إن شاء الله وبالجملة فقد كان لبني مرين جنوح إلى الخير ومحبة في العلم وأهله تشهد بذلك آثارهم الباقية إلى الآن في مدارسهم العلمية وغيرها وفي مثل ذلك يحسن أن ينشد
همم الملوك إذا أرادوا ذكرهامن بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء غذا تعاظم شأنه
أضحى يدل على عظيم الشان
745
مراسلة السلطان أبي الحسن المريني لصاحب مصر أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوون
قال المؤرخ الناصري: أن السلطان أبا الحسن المريني راسل الملك الناصر صاحب مصر وهاداه بما عظم وقعه عند الخاصة والعامة واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وولي الأمر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل فخاطبه السلطان أبو الحسن أيضا وأتحفه وعزاه عن أبيه وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج أبا الفضل بن أبي عبد لله بن أبي مدين وفي صحبته الحرة أخت السلطان أبي الحسن المريني، فقضى من وفادته ما حمل وأصحبه السلطان أبو الحسن كتابا إلى الملك الصالح أبي الفداء اسماعيل، وكان وصوله إلى مصر في منتصف شعبان سنة خمس وأربعين وسبعمائة
وفينا يلي نص الكتاب السلطاني المغربي: بعد البسملة والصلاة على النبي عند أمير المسلمين المجاهد في سبيل الله رب العالمين المنصور بفضل الله المتوكل عليه المعتمد في جميع أموره لديه سلطان البرين حامي العدوتين مؤثر المرابطة والثاغرة مؤازر حزب الإسلام حق المؤازرة ناصر الإسلام مظاهر دين الملك العلام ابن أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين فخر السلاطين حامي حوزة الدين ملك البرين إمام العدوتين ممهد البلاد مبدد شمل الأعاد مجند الجنود المنصور الرايات والبنود محط الرحال مبلغ الآمال أبي سعيد ابن أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين حسنة الأيام حسام الإسلام أبي الأملاك مشجي أهل العناد والإشراك مانع البلاد رافع علم الجهاد مدوخ أقطار الكفار مصرخ من ناداه للانتصار القائم لله بإعلاء دين الحق أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أخلص الله لوجهه جهاده ويسر في قهر عداة الدين مراده إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلا بدرا تاما وصدع بأنواع الفخار فجلى ظلاما وظلما وجمع شمل المملكة الناصرية فأعلى منها علما وأحيى رسما حائط الحرمين القائم بحفظ القبلتين باسط الأمان قابض كف العدوان الجزيل النوال الكفيل تأمينه بحياطة النفوس والأموال قطب المجد وسماكه حسب الحمد وملاكه السلطان الجليل الرفيع الأصيل الحافل العادل الفاضل الكامل الشهير الخطير الأضخم الأفخم المعان المؤزر المؤيد المظفر الملك الصالح أبي الوليد إسماعيل بن محل أخينا الشهير علاوة المستطير في الآفاق ثناؤه زين الأيام والليالي كمال عين إنسان المجد وإنسان عين الكمال وارث الدول النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل حامي القبلتين بعدله وحسامه النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه هازم أحزاب المعاندين وجيوشها هادم الكنائس والبيع فهي خاوية على عروشها السلطان الأجل الهمام الأحفل الأفخم الأضخم الفاضل العادل الشهير الكبير الرفيع الخطير لمجاهد المرابط المقسط عدله في الجائر والقاسط المؤيد المظفر المنعم المقدس المطهر زين السلاطين ناصر الدنيا والدين أبي المعالي محمد بن الملك الأرضى الهمام الأمضى والد السلاطين الأخيار عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والتتار محيي رسوم الجهاد معي كلمة الإسلام في البلاد جمال الأيام ثمال الأعلام فاتح الأقاليم صالح ملوك عصره المتقادم الإمام المؤيد المنصور المسدد قسيم أمير المؤمنين فيما تقلد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون مكن الله له تمكين أوليائه ونمى دولته التي أطلعها له السعد شمسا في سمائه وأحسن إيزاعه للشكر أن جعله وارث آبائه سلام كريم يفاوح زهر الربى مسراه وينافح نسيم الصبا مجراه يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله مالك الملك جاعل العاقبة للتقوى صدعا باليقين ودفعا للشك وخاذل من أسر النفاق في النجوى فاصر على الدخن والإفك والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي محى بأنوار الهدى ظلم الشرك ونبيه الذي ختم به الأنبياء وهو واسطة ذلك السلك ودعا به حجة الحق فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك وماجت بهم حاملة الفلك والرضا عن آله وصحبه الذين سلكوا سبيل هداه فسلك في قلوبهم أجمل السلك وملكوا أعنه هواهم فلزموا من محجة الصواب أنجح السلك وصابروا في جهاد الأعداء فزاد خلوصهم مع الابتلاء والذهب يزيد خلوصا على السبك والدعاء لأولياء الإسلام وحماته الأعلام بنصر لمضائه في العدي أعظم الفتك ويسر بقضائه درك آمال الظهور وأحفل بذلك الدرك فكتباه إليكم كتب الله لكم رسوخ القدم وسبوغ النعم من حضرتنا مدينة فاس المحروسة وصنع الله سبحانه يعرف مذاهب الألطاف ويكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف ويصرف من أمره العظيم وقضائه المتلقى بالتسليم ما يتكون بين النون والكاف ومكانكم العتيد سلطانه وسلطانكم المجيد مكانه وولاؤكم الصحيح برهانه وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه وإلى هذا زاد الله سلطانكم تمكينا وأفاد مقامكم تحصينا وتحسينا وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلا مبينا فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه وبقربه مع الأبرار في عليين أنسه من مؤاخاة أحكمت منها العهود تالية الكتب والفاتحة وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذاتها المحبة والنية الصالحة فانعقدت على التقوى والرضوان واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان حتى استحكمت وصلة الولاء والتأمت كلحمة النسب لحمة الإخاء فما كان إلا وشيكا من الزمان ولا عجب قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان ورد وارد أورد رنق المشارب وحقق قول ومن يسأل الركبان عن كل غائب أنبأ باستثارة الله تعالى بنفسه الزكية وإكنان درته السنية وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية بجليل ما وقر لفقده في الصدور وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور حنانا للإسلام بتلك الأقطار وإشفاقا م أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من جراء الفتن عارض الإضرار ومساهمة في مصاب الملك الكريم والوصي الحميم ثم عميت الأخبار وطويت طي السجل الآثار فلم نر مخبرا صدقا ولا معلما بمن استقر له ذلكم الملك حقا وفي أثناء ذلك حفزنا للحركة عن حضرتنا استصراخ أهل الأندلس وسلطانها وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها ونحن أثناء ذلك الشأن نستخبر الوراد م تلكم البلدان عما أجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان فبعد لأي وقعنا منها على الخبير وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه وتداركه الله تعالى منكم بفاتح الخير من أبوابه فأطفأ بكم نار الفتنة وأجمدها منه أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها فقام سبيل الحج سابلاً وعبر طريقه لمن جاء قاصداً وقافلاً ولما احتفت بهذا الخبر القرائن وتواتر بنقل الحاضر المعاين أثار حفظ الإعتقاد البواعث والود الصحيح تجره حقاً الموارث فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الكوار الجامعة بين الخبر والإستخبار الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار ومثل ذلك الملك رضوان الله عليه من تجل المصائب لفقدانه وتحل عرى الإصطبار بموته ولات حين أوانه ولكن الصبر اجمل ما ارتداه ذو عقل حصين والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين ومثلكم من لا يخف وقاره ولا يشف عن ظهور الجزع الحادث اصطباره ومن خلفتموه فمات مات ذكره ومن قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره وقد طالت والحمد لله المعيشة الراضية بالحقب وطاب بين مبداه ومحتضره هنيئاً بما من الأجر اكتسب وصار حميداً إلى خير منقلب ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقناً ووهب فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة وحماية زوار بيته مقيلة أو معرسة ونحن بعد بسط هذه التعزية نهنيكم بما خولكم الله أجمل التهنية وفي ذات الله الإيراد والإصدار وفي مرضاته سبحانه الإضمار والإظهار فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه وعقد الظهور عليها نطاقه وأعطاه أكان الزمان عقده وميثاقه ونحن على ما عدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة وموالاة محققة وثناء كماشمه عن أذكى من الزهر غب القطر مفتقه ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصفحين الأكرمين اللذين خطتهما منا اليمين وآوت بهما الرغبة من الحرمين الشريفين إلى قرار مكين وإنه كان لوالدكم الملك الناصر تولاة الله برضوانه وأورده موارد إحسانه في ذلكم من الفعل الجميل والصنع الجيل ما ناسب مكانه الرفيع وشاكل فضله من البر الذي لا يضيع حتى طبق فعله الآفاق ذكراً وطوق أعناق الوراد والقصاد براً وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف وأعظم ما بعرفه إلى الملك العلام في ذلك تعرف إذنه للمتوجهين إذا ذاك في شراء رباع توقف على المصحفين ورسم المراسم المباركة بتحرير ذلك الوقف مع اختلاف الجديدين فجرت أحوال القراء فيها بذلك الخارج السمتفاد ريثما يصلهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه البلاد على ما رسمه رحمة الله عليه من عناية به متصلة واحترام فيتكل الأوقاف فوائدها به متوفرة متحصلة وقد أمرنا مؤدي هذا لكما لكم وموفده على جلالكم كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل الحظى الكمل أبا المجد ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى الأرضى الأفضل الأحظى الأكمل المرحوم أبي عبد الله بن أبي مدين حفظ الله عليه رتبته ويسر في قصد البيت الحرام بغيته بأن يتفقد أوال تلك الأوقاف ويتعرف تصرف الناظر عليها وما فعله من سداد وإسراف وأن يتخير لها من يرتضي لذلك ويحمد تصرفه فيما هنالك وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن جرياً على الود الثابت الأركان وإعلاماً بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان وكما لكم يقتضي تخليد ذلكم البر الجميل وتجديد علم ذلك الملك الجليل وتشييد ما اشتمل عليه من الشراء الأصيل والأجر الجزيل والتقدم بالاذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب وثناؤنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربا ويطارح نغم حمام الأيك مطرباً ويحسب المصافاة ومقتضى الموالاة نشرح لكم المتزايدات بهذه الجهات وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلكم الجناب وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ ونادى منا للجهاد عزما ًلمثل ندائه يصيخ أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب وفرض عليهم باباهم اللعين التناصر من كل أوب وأنت بقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها وتنقص بالمنازلة أرضها من أطرافها ليمحو كلمة الإسلام منعا ويقلصوا ظل الإيمان عنها فقدمنا من يشتغل بالأساطيل من القواد وسرنا على اثرهم إلى سبتة منتهى الغرب الأقصى وباب الجهاد فما وصلناها إلا وقد أخذ العدو الكفور وسدت أجفان الطواغيت على التعاون مجاز العبور وأتوا من أجفانهم بما لا يحصى عدداً وأرصدوها بمجمع البحرين حيث المجاز إلى دفع العدا وتقلصوا عن الانبساط في البلاد واجمعوا إلى الجزيرة الخضراء أعادها الله بكل من جمعوه من الأعاد لكنا مع انسداد تلك السبيل وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجليل حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد وأصرخناهم بما أمكن من الجند وجهزنا أجفاناً مختلسين فرصة الإجازة تتردد على خطر بمن جهز للجهاد جهازه وأمرنا لصاحب الأندلس من المال بما يجهز به حركته لمداناة محلة حزب الضلال وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة وأرضخنا لهم من النوال ما نرجو به ثواب الآخرة وجعلت أجفاننا تتردد في مينا السواحل وتلج أبواب الخوف العاجل لإحراز الأمن الآجل مشحونة بالعدد الموفورة والأبطال المشهورة والخيل المسومة والأقوات المقومة فمن ناج حارب دونه الأجل وشهيد مضى لما عند الله عز وجل وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر ثم لم نقنع بهذا العمل في الإمداد فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم الله مساهمة به لأهل تلك البلاد فلقي من هول البحر وارتجاجه وإلحاح العدو ولجاجه ما به الأمثال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد نزل بإزاء الكافر الجاحد حتى كان منه بفرسخين أو أدنى وقد ضرب بعطن يصابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى وقد كان من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته وقويت في الحرب إدارته يبلون البلاء الأصدق ولا يبالون بالعدو وهم منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق إلا أن المطاولة بحصارها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف ومنازلتها في البر نحو عامين معقودا عليها الصف بالصف أدى إلى فناء الأقوات في البلد حتى لم يبق لأهليه قوت شهر م انقطاع المدد وبه من الخلق ما يربى على عشرة آلاف دون الحرم والولد فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الأذن له في عقد الصلح ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجع فأذنا له فيه الإذن العام إذ في إصراخه وإصراخ من بقطره من المسلمين توخينا ذلك المرام هنالك دعا النصارى إلى السلم فاستجابوا وقد كانوا علموا فناء القوت وما استرابوا فتم الصلح إلى عشر سنين وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين ولا رزئوا مالا ولا عدة ولا لقوا في خروجهم غير النزوح عن أول أرض مس الجلد ترابها شدة ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء وأسليناهم عما جرى بالحباء فمن خيل تزيد على الألف عتاقها وخلع تربى على عشرة آلاف أطواقها وأموال عمت الغني والفقير ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير وكف الله ضر الطواغيت عما هداها وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها وقد كف ضر الطواغيت عما عداها وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر أن قدر لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر وهو المطل على هذه المدرة والفرصة منه إن شاء الله تعالى متيسرة حتى يفرق عقد الكفار ويفرج بهذه الجهة منهم مجاوروا هذه الأقطار فلولا إجلابهم من كل جانب وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب لما بالينا بأصفاقهم ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم ولكن للموانع أحكام ولا راد لما جرت به الأقلام وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد العدد والعدد وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر ونرتبط الجياد وننتخب العدد لوقت الظهور المنتظر ونكون على أهبة الجهاد وعلى مرقبة الفرصة عند تمكنها من الأعاد وعند عودنا من تلك المحاولة نيسر الركب الحجازي موجها إلى هناكم رواحله فأصدرنا إليكم هذا الخطاب إصدار الود الخالص يخشى جديدة من البلاء ومالكم ما عند أحنى الآباء واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء ومالكم من غرض بهذه الأنحاء موفي قصده على أكمل الأهواء موالي تتميمه على أجمل الأراء والبلاد باتحاد الود متحدة والقلوب والأيدي على ما فيه مرضاة الله عز وجل منعقدة جعل الله ذلكم خالصا لرب العباد مدخورا ليوم التناد مسطورا في الأعمال الصالحة يوم المعاد بمنه وفضله هو سبحانه يصل إليكم سعدا تتفاخر به سعود الكواكب وتتضافر على الانقياد له صدور المواكب وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب والسلام الأتم يخصكم كثيرا أثيرا ورحمة الله وبركاته وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين وسبعمائة وصورة العلامة وكتب في التاريخ المؤرخ
قال ابن خلدون: قضى أبو الفضل بن أبي عبد الله بن ابي مدين من وفادته ما حمل وكان شأنه عجبا في إظهار أبهة سلطانه والإنفاق على المستضعفين من إلحاح في طريقه وإتحاف رجال الدولة التركية بذات يده والتعفف عما في أيديهم رحمه الله وقال العلامة المقريزي وفي منتصف شعبان من سنة خمس وأربعين وسبعمائة قدمت الحرة أخت صاحب المغرب في جماعة كثيرة وعلى يدها كتاب السلطان أبي الحسن يتضمن السلام وأن يدعو له الخطباء في يوم الجمعة ومشايخ الصلاح وأهل الخير بالنصر على عدوهم ويكتب إلى أهل الحرمين بذلك اه
753
تملك السلطان أبي عنان المريني بجاية وتولية عمر بن علي الوطاسي عليها
لما وفد أبو عبد الله الحفصي على السلطان أبي عنان بلمدية في شهر شعبان من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وبالغ في إكرامه ناجاه بذات صدره وشكا إليه ما يلقاه من رعيته من الامتناع من الجباية والسعي في الفساد وما يتبع ذلك من شقاق الحامية واستبداد البطانة وكان السلطان أبو عنان المريني متشوقا لمثلها، فأشار عليه بالنزول عنها وأن يعوضه عنها ما شاء من بلاده فسارع إلى قبول ذلك ودس إليه السلطان مع حاجبه محمد بن أبي عمرو أن يشهد بذلك على رؤوس الملأ ففعل وعوضه عنها مكناسة الزيتون ونقم بطانة الحفصي عليه ونزع بعضهم عنه إلى إفريقية وأمره السلطان أبو عنان أن يكتب بخطه إلى عامله على بجاية بالنزول عنها وتمكين عمال السلطان المريني منها ففعل وعقد أبو عنان عليها لعمر بن علي الوطاسي من بني الوزير الوطاسيين الذين قدمنا خبر ثورتهم بحصن تازوطا أيام السلطان يوسف بن يعقوب المريني، ولما قضى السلطان أبو عنان حاجته من المغرب الأوسط واستولى على بجاية ثغر إفريقية، ثم ارتحل إلى تلمسان غرة جمادى الأولى من السنة ومعه شيوخ الذواودة ووجوه بجاية، قال ابن خلدون: وكنت يومئذ في جملتهم فجلس السلطان للوفد وعرض ما جنب إليه من الجياد والهدايا وكان يوما مشهودا وانصرفوا إلى مواطنهم فاتح شعبان من السنة المذكورة قال وانقلبت مع الحاجب بعد إسناء الجائزة والخلع والحملان من السلطان والوعد الجميل بتجديد ما إلى قومي ببلدي من الإقطاعات ولما احتل الحاجب ابن أبي عمرو ببجاية ضبط أمرها وأقام أودها وألح على قسنطينة بترديد البعوث وتجهيز الكتائب إلى أن أذعنوا للطاعة ومكنوه من تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المريني المنصوب هناك للفتنة وأوفد أبو زيد الحفصي صاحب قسنطينة ابنه على السلطان أبي عنان المريني فقبل وفادته وشكر سعيه
758
غزو السلطان أبي عنان المريني إفريقية وفتح قسنطينة ثم فتح مدينة تونس بعدها
لما كانت أيام التشريق من سنة سبع وخمسين وسبعمائة اعتزم السلطان أبو عنان المريني على النهوض إلى إفريقية واضرب معسكره بساحة فاس الجديد وبعث في الحشد إلى مراكش وأوعز إلى بني مرين بأخذ الهبة للسفر وجلس للعطاء وعرض الجنود من لدن عزمه على النهوض إلى شهر ربيع الأول من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة بعدها، ثم ارتحل من فاس وسرح في مقدمته وزيره فارس بن ميمون في العساكر، وسار هو في ساقته على التعبية إلى أن احتل بحاضرة بجاية وتلوم لإزاحة العلل، ثم نازل الوزير قسنطينة، وجاء السلطان على أثره ولما أطلت راياته وماجت الأرض بجنوده، ذعر أهل البلاد وألقوا بأيديهم إلى الأذعان وانفضوا من حول سلطانهم أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر الحفصي، وجاؤوا مهطعين إلى السلطان أبي عنان المريني، وتحيز الحفصي في خاصته إلى القصبة ثم طلبوا الأمان من السلطان أبي عنان فبذله لهم وخرجوا وأنزلهم بمعسكره أياما،ً ثم بعث أبي العباس في الأسطول إلى سبتة فاعتقله بها وعقد على قسنطينة لمنصور بن الحاج خلوف الياباني من شيوخ بني مرين وأهل الشورى منهم، وأنزله بالقصبة في شعبان من السنة المذكورة ووصلت إليه بيعات أمراء بني كعب من قبائل سليم وقبائل بني أبي الليل منهم يستحثونه لملك تونس فسرح معهم العساكر وعقد عليها ليحيى بن عبد الرحمن بن تاشفين، وبعث أسطوله في البحر مدداً لهم وعقد عليه للرئيس محمد بن يوسف المعروف بالأبكم من أمراء بني الأحمر، وكان سلطان تونس يومئذ أبا إسحاق إبراهيم بن أبي بكر الحفصي ولما اتصل به خبر بني مرين أخرج حاجبه أبا محمد بن تافراجين لقتالهم، فزحفت الجيوش إلى تونس ووصل الأسطول إلى مرساها فقاتلهم ابن تافارجين يوماً أو بعض يوم ثم ركب الليل إلى المهدية فتحصن بها ودخل أولياء السلطان إلى تونس في رمضان من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة وأقاموا بها الدعوة المرينية واحتل يحيى بن عبد الرحمن بالقصبة وأنفذ الأوامر وكتب إلى السلطان أبي عنان بالفتح فعظم سروره ونظر بعد ذلك في أحوال ذلك القطر وقبض أيدي العرب من رياح عن الإتاوة التي يسمونها الخافرة فارتابوا وطالبهم بالرهن عن الطاعة فأجمعوا الخلاف والتفوا على أميرهم يعقوب بن علي ولحقوا بالزاب وارتحل السلطان في اثرهم فأجفلوا أمامه إلى القفر فخرب حصونهم التي بالزاب ورجع عنهم وحمل له ابن مزني عامل بسكرة والزاب جبايته وأطلق المؤمن للعسكر من الإدام والحنطة والحملان والعلوفة ثلاثة أيام وكافأه السلطان على صنيعه فخلع عليه وعلى أهله وولده وأسنى جوائزهم، ورجع إلى قسنطينة واعتزم على الرحلة إلى تونس وضاقت العساكر ذرعاً بشأن النفقات والإبعاد في الرحلة وارتكاب الخطر في دخول إفريقية فتمشت رجالاتهم في الانفضاض عن السلطان وداخلوا الوزير فارس بن ميمون في ذلك، فوفقهم ثم أذن شيوخ العسكر ونقباؤه لمن تحت أيديهم من القبائل في اللحاق بالمغرب حتى يبقوا منفردين وأنهى إلى السلطان أبي عنان المريني أن شيوخ العسكر قد عزموا على قتله ونصب إدريس بن عثمان بن أبي العلاء للأمر فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم ورأى قلة من معه من الجند فارتاب وكر راجعا إلى المغرب بعد أن كان ارتحل عن قسنطينة إلى جهة تونس مرحلتين، فانكفأ وأغذى السير إلى فاس فاحتل بها غرة ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين المذكورة وقبض يوم دخوله على وزيره فارس بن ميمون لأنه اتهمه بمداخلة بني مرين في شأنه وقتله رابع أيام التشريق قعصا بالرماح وتقبض على مشيخة بني مرين فاستلحمهم وأودع طائفة منهم السجن
760
ظهور الثائر منصور بن سليمان من عائلة بني مرين وبيعة مسعود ابن عبد الرحمن له
هو منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب ابن عبد الحق المريني، وكان الناس يرجفون بأن ملك المغرب سائر إليه بعد وفاة السلطان أبي عنان، وشاع ذلك على ألسنة الناس حتى تحدث به السمر والندمان، ولما نهض مسعود بن عبد الرحمن إلى تلمسان واستولى عليها كان منصور هذا في جملته ولما فر أبو حمو إلى الصحراء اجتمعت عليه جموع العرب من بني زغبة وبني معقل ثم خالفوا بني مرين إلى المغرب واحتلوا بانكاد بحللهم وظواعنهم فجهز إليهم مسعود بن عبد الرحمن عسكرا من جنوده انتقى فيه مشيخة بني مرين وأمراءهم وعقد عليهم لابن عمه عامر بن عبد الله بن ماساي وسرحه فزحف إلى العرب بساحة وجدة فصدقه العرب القتال فانكشف بنو مرين واستبيح معسكرهم واستلبت مشيختهم وأرجلوا عن خيولهم ودخلوا إلى وجدة عراة وبلغ الخبر إلى بني مرين الذين بتلمسان، فاتفقوا على البيعة ليعيش بن علي بن أبي زيان بن يوسف بن يعقوب فبايعوه وانتهى الخبر إلى مسعود بن عبد الرحمن وكان في جملته منصور بن سليمان كما قلنا فأكرهه على البيعة وبايعه معه الرئيس الأبكم من بني الأحمر وقائد النصارى القهردور وتسايل إليه الناس من كل جانب وتسامع الملأ من بني مرين بالخبر فتهاروا إليه، واستمر هذا الحال إلى غرة شعبان، وبينما الناس في ذلك إذ ظهر السلطان أبو سالم بجبال غمارة فانصرفت إليه وجوه أهل المغرب وبطل أمر السلطانين أبي بكر السعيد ومنصور بن سليمان معا وذابا كما يذوب الملح فأما منصور بن سليمان فإنه فر إلى بادس فقبض عليه وجيء به إلى السلطان أبي سالم فقتله وأما السعيد فإن وزيره الحسن بن عمر لما سمع بظهور السلطان أبي سالم واستفحال أمره نبذ دعوة سلطانه المذكور وبعث بطاعته إلى أبي سالم ووعده بالتمكين من دار الملك إن قدم عليه فكان الأمر كذلك وخلع السعيد يوم الثلاثاء الثاني عشر من شعبان سنة ستين وسبعمائة ثم قتل بعد ذلك غرقا في البحر فإن السلطان أبا سالم بعثه في جملة الأبناء المرشحين من بني أبي الحسن إلى الأندلس ووكل بهم من يحرسهم ثم بعد ذلك بعث إلى الموكل بهم فحملهم في سفينة كأنه يريد بهم المشرق ثم غرقهم في البحر والأمر لله وحده
760
بيعة السلطان المستعين أبي سالم إبراهيم بن أبي الحسن المريني
كان هذا السلطان جوادا جم العطاء معروفا بالوفاء كثير الحياء كنيته أبو سالم لقبه المستعين بالله أمه أم ولد رومية اسمها قمر صفته آدم اللون معتدل القامة رحب الوجه واسع الجبين بادن الجسم أعين أدعج معتدل اللحية أسودها وكان بعد مهلك والده السلطان أبي الحسن المريني قد استقر بالأندلس وقد بعثه إليها أخوه أبو عنان، ولما مات أبو عنان وولي ابنه الصبي طمع أبو سالم هذا في الملك فاستأذن الحاجب رضوان مدبر دولة ابن الأحمر بالأندلس في اللحاق ببلاده فأبى عليه فغاضه ذلك ونزع عنه إلى طاغية قشتالة وتطارح عليه في أن يحمله إلى بر العدوة يطلب ملك أبيه فأسعفه وأمر به فحمل في مركب وألقى به ملاحه في ساحل بلاد غمارة بعد أن تردد في أي السواحل يلقيه ووافق ذلك اختلاف الكلمة بفاس ومحاصرة منصور بن سليمان للمدينة البيضاء فتسامع الناس بخروجه ببلاد غمارة أحوج ما كانوا إليه فتسايلوا إليه من كل وجه وانفض الناس من حول منصور ومشى أهل معسكره بأجمعهم على التعبية فلحقوا بالسلطان أبي سالم واستغذوه إلى دار ملكه فأغذ السير إليها وخلع الحسن بن عمر سلطانه السعيد من الأمر لتسعة أشهر من خلافته وأسلمه إلى عمه فخرج إليه وبايعه ودخل السلطان أبو سالم البلد الجديد يوم الجمعة منتصف شعبان من سنة ستين وسبعمائة واستولى على ملك المغرب وتوافت وفود النواحي بالبيعات وعقد للحسن بن عمر على مراكش وجهزه إليها بالعساكر تخففا منه وريبة بمكانه من الدولة واستوزر مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي والحسن بن يوسف الورتاجني واصطفى من خواصه خطيب أبيه الفقيه أبا عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق وجعل إلى أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون صاحب التاريخ توقيعه وكتابة سره قال وكنت نزعت إليه من معسكر منصور بن سليمان بكدية العرائس لما رأيت من اختلاف أحواله ومصير الأمر إلى السلطان أبي سالم فأقبل علي وأنزلني بمحل التنويه واستخلصني لكتابته. انتهى
807
تهنئة الشعراء للسلطان أبي سعيد المريني بشفائه من مرض شديد
ومنهم الشاعر أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المذكور مرتبا في جملة الكتاب وكان فاضلا شاعرا أيضا ولما مرض السلطان أبو سعيد المريني في شعبان سنة سبع وثمانمائة وصح من مرضه وهنأته الشعراء بقصائد كثيرة فكان من جملتهم أبو الحسن المذكور فقال
هنيئا لنا ولكل الأنام
براحة فخر الملوك الهمام
إمام أقام رسوم العلا
وحل من المجد أعلى السنام
به قرت العين لما بدا
صحيحا وما إن به من سقام
وهل هو إلا كبدر الدجا
يواري قليلا وراء الغمام
ويظهر طورا فيجلو به
عن الناس يا صاح ساجي الظلام
أو الليث يعكف في غيله
فتحذر منه السباح اهتجام
أمولاي عثمان بحر الندى
ومردي العداة ونجل الكرام
لقد رفع الله مقداركم
فنفسي الفداء لكم من إمام
أمولاي عبدك قد ضره
أفول رضاكم وبعد المرام
وأضحى كئيبا لإبعادكم
مشوقا لتقبيل ذاك المقام
فكن راحما يا إمام الورى
عطوفا بمملوكك المستهام
لعل الذي ناله ينقضي
وتشمل منك هبات جسام
فأيدك الله بالنصر ما
ترنم فوق الغصون حمام
892
استيلاء الاسبان على غرناطة وسائر الأندلس منها وانقراض كلمة الإسلام منها
قال صاحب الاستقصا: كانت دولة بني الأحمر في هذه المدة متماسكة والفتنة بين أعياصها متشابكة والعدو فيما بين ذلك يخادعهم عما بأيديهم ويراوغهم ويسالمهم تارة ويحاربهم إلى أن كانت دولة السلطان أبي الحسن علي ابن السلطان سعد ابن الأمير علي ابن السلطان يوسف ابن السلطان محمد الغني بالله فنازعه أخوه أبو عبد الله محمد بن سعد المدعو بالزغل قدم من بلاد النصارى وبويع بمالقة وبقي بها مدة وعظم الخطب واشتدت الفتن وشرق المسلمون بداء الخلاف الواقع بين هذين الأخوين، وتكالب العدو عليهم ووجد السبيل إلى تفريق كلمتهم والتمكن من فسخ عهدهم وذمتهم، وذلك أعوام الثمانين وثمانمائة ثم انقاد أبو عبد الله لأبي السحن فسكنت أحوال الأندلس بعض الشيء، ثم خرج عليه ولده أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن وأسره النصارى في بعض الوقعات فراجع الناس طاعة أبي الحسن ثم نزل لأخيه أبي عبد الله الزغل عن الأمر لآفة أصابته في بصره، ثم إن العدو عمد لأسيره أبي عبد الله ابن الحسن فوعده ومناه وأظهر له من أكاذيبه وخدعه غاية مناه وبعثه للتشغيب على عمه طلبا لتفريق كلمة المسلمين وعكس مرادهم وتوصلا إلى ما بقي عليه من حصون المسلمين وبلادهم وطالت الفتنة بين العم وابن الأخ وكل عقد كان بين العدو وبينه انحل وانفسخ وخبت العامة الذين هم أتباع كل ناعق في ذلك ووضعت وكان ذلك من أعظم الأسباب المعينة للعدو على التمكن من أرض الأندلس والتهامها واستئصال كلمة الإسلام منها ثم إن ابن الأخ استولى على غرناطة بعد خروج العم عنها إلى الجهاد ففت ذلك في عضده وعطف إلى وادي آش فاعتصم بها وحاصر العدو مالقة فقاتله أهلها بكل ما أمكنهم حتى إذا لم يجدوا للقتال مساغا نزلوا على الأمان فاستولى العدو عليها أواخر شعبان سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ثم استولى بعد ذلك على وادي آش وأعمالها صلحا ودخل في طاعته صاحبها أبو عبد الله العم بعد أن استهوى العدو قواده بالأموال الجزيلة ثم إن العدو أرسل أبا عبد الله بن أبي الحسن صاحب غرناطة وعرض عليه الدخول في الخطة التي دخل فيها عمه من النزول له عن البلاد على أموال جزيلة يبذلها له ويكون تحت حكمه مخيرا في أي بلاد الأندلس شاء فشاور رعيته فاتفق الناس على الامتناع والقتال فعند ذلك أرهف العدو حده وجعل غرناطة وأهلها من شأنه بعد أن استولى أثناء هذه الفتن والتضريبات على حصون كثيرة لم نتعرض لذكرها حتى لم يبق له إلا غرناطة وأعمالها
952
انقراض دولة بني زيان بتلمسان واحتلالها من طرف العثمانيين ثم الفرنسيين
عاشت ملوك دولة بني زيان بتلمسان أواخر أيامها حالة من الاضطراب سائر أيام بني مرين وكان منهم في صدر المائة التاسعة السلطان الواثق بالله من أمثل ملوكهم وغلبهم على تلمسان في تلك المدة السلطان أبو فارس عبد العزيز بن أحمد الحفصي فأخذوا بطاعته ثم بعد موته سنة سبع وثلاثين وثمانمائة اعتزوا بعض الشيء إلى أن كانت دولة السلطان أبي عمرو عثمان بن محمد الحفصي فغزا تلمسان أعوام السبعين وثمانمائة مرتين وفي الثانية هدم أسوارها وعزم على استئصال أهلها إلى أن تشفع إليه علماؤها وصلحاؤها فعفا عنهم وكان الباعث له على غزوها أولا ما بلغه من أن الأمير محمد بن محمد بن أبي ثابت استولى عليها ففعل ما فعل وصاهرهم ببعض حفدته # وقال صاحب بدائع السلك شاهدت بتلمسان وبعض أعمالها تصريح الخطيب باسم السلطان أبي عمرو عثمان صاحب تونس مقدما في الذكر على اسم صاحب تلمسان أبي عبد الله من أعقاب بني زيان لما بينهما من الشرط في ذلك وبقيت حال بني زيان متماسكة إلى أن ظهر جنس الإصبنيول في صدر المائة العاشرة بعد ما تم له ملك الأندلس وعظمت شوكته فطمح للتغلب على ثغور المغربين الأدنى والأوسط فاستولى على بجاية سنة عشر وتسعمائة ثم على وهران سنة أربع عشرة وتسعمائة وفعل بأهلها الأفاعيل ثم سما لتملك الجزائر وشره لالتهامها وضايق المسلمين في ثغورهم وضعف بنو زيان عن مقاومته وكان الشيخ الفقيه الصالح أبو العباس أحمد ابن القاضي الزواوي ممن له الشهرة والوجاهة الكبيرة في بسائط المغرب الأوسط وجباله وكانت دولة العثامنة من الترك في هذه المدة قد زخر عبابهم وملكت أكثر المسكونة وظهر من قواد عساكرهم البحرية قائدان عظيمان وهما خير الدين باشا وأخوه عروج باشا وكانا قد تابعا الغزو على بلاد الكفر برا وبحرا وأوقعا بأهل دول الأوروبا وقائع شهيرة وصار لهم ذكر في أقطار البلاد وتمكن ناموسهم من قلوب العباد فكاتبهم الفقيه أبو العباس المذكور وعرفهم بما المسلمون فيه من مضايقة العدو الكافر وقال إن بلادنا بقيت لك أو لأخيك أو للذئب فأقبل الترك نحوه مسرعين واستولى عروج على ثغر الجزائر بعد ما كاد العدو يملكه فتخلصه منه ثم استولى على تلمسان وغلب بني زيان على أمرهم وذلك سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة على ما في النزهة ثم إن أهل تلمسان أنكروا سيرة الترك وسئموا ملكتهم ويقال إن الترك عسفوهم وصادروهم على أموالهم وكان عروج قد أغرى بالفقيه أبي العباس المستدعي له فقتل شهيدا بعد الثلاثين وتسعمائة ورأى عروج أن أمر المغرب الأوسط لا يصفو له مع وجود الفقيه المذكور فدس عليه من قتله ثم نهض عروج إلى بني يزناسن فكان الكرة عليه وقتل هنالك مع جماعة من وجوه عسكره وتفرقت جموعه، وعادت تلمسان إلى بني زيان فجددوا بها رياستهم وأحيوا رمق دولتهم إلى أن عاود الترك غزوها بعد حين وانتزعوها من يد صاحبها أبي العباس أحمد بن عبد الله من أعقاب يغمراسن بن زيان، وقال صاحب كتاب المرآة ما نصه: قال الشيخ الإمام قاضي الجماعة أبو محمد عبد الواحد بن أحمد الوانشريسي، ومن خطه نقلت قدم حسن ابن خير الدين التركي فاستولى على تلمسان في أواسط شعبان سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وأخرج منها الأمير أحمد ابن الأمير عبد الله ووزيره منصور بن أبي غانم ولحقا بدبدو مع من انضاف إليهما من أمراء تلمسان وكبرائها فغدر بهم عمر بن يحيى الوطاسي صاحب دبدو، وأخذ أموالهم واعتقلهم وسرح منصورا في محرم من سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة. انتهى. واستمرت تلمسان في يد الترك إلى أواسط صدر المائة الثالثة عشرة فاستولى عليها الفرنسيون
987
عقد المنصور السعدي ولاية العهد لابنه محمد الشيخ المدعو المأمون
قال الفشتالي: لما أبل السلطان أحمد المنصور السعدي من مرضه المذكور وعاد إلى حاله من الصحة أجمع رأي أعيان الدولة واتفقت كلمة كبرائها على أن يطلبوا منه تعيين من يلي الأمر بعده ويكون ولي عهده وكان المنصور مهيبا لا يقدر أحد على مواجهته بمثل هذا فاتفقوا على أن يكون البادئ لذلك القائد المؤمن بن الغازي العمري لما له من الإدلال على المنصور بطول الخدمة وسالف التربية فقال له القائد المذكور يا مولانا الله تعالى حفظ الإسلام بإبلالك من هذا المرض وعصم الدين بإبقائه عليك وقد بقي الناس في أيام سقمك في حيرة عظيمة ودخلهم من الدهش ما لا يخفى عليك فلو عينت لنا من أبنائك القساورة من تجتمع كلمة الإسلام عليه ويشار بالخلافة إليه لكان أولى وأليق بسياسة الملك وإن ابنك الأبر أبا عبد الله محمد المأمون حقيق بذلك وجدير بسلوك تلك المسالك لما فيه من خلال الخير وخصال السيادة زيادة على ما هو عليه من التيقظ في أموره والحزم في شؤونه وقد ظهرت للناس محاسن سيرته واطلعوا على جميل سريرته فاستحسن المنصور ذلك وأعجبه ما أشار عليه به فقال له سوف أستخير الله في ذلك فإن يكن من عند الله يمضه قلت هذا الذي حكاه الفشتالي على لسان القائد مؤمن في حق المأمون المذكور هو بخلاف الواقع كما ستقف عليه من أحوال المأمون بعد هذا إن شاء الله ولكن المؤرخين والشعراء يمدحون ويقدحون بحسب أغراضهم لا بحسب الواقع غالبا لا سيما إذا كان من يعنونه بذلك مخدوما لهم ومنعما عليهم فلا ينبغي لمن وقف على كلام هؤلاء الصنف منهم أن يعتمد عليه إلا بعد التثبت والتبصر والله تعالى الهادي إلى الصواب بمنه ثم لبث المنصور بعد هذه الإشارة أيام يستخير ربه في ذلك ويستشير من يعلم أهليته للمشورة من أهل العلم والصلاح فلما انقضت أيام الاستخارة وتواطأت الآراء على حسن تلك الإشارة جمع المنصور أعيان حاضرة مراكش وأعيان مدينة فاس وغيرهم من أشياخ القبائل بوجوه الناس من أهل الحواضر والبوادي وأوصى بالعهد لولده المذكور أبي عبد الله محمد المأمون وذلك يوم الاثنين منسلخ شعبان سنة سبع وثمانين وتسعمائة
992
الشاعر ابو فارس الفشتالي يمدح السلطان أحمد المنصور الذهبي السعدي
ومما يتعلق به ما حكاه أبو فارس الفشتالي في المناهل قال: خرج السلطان أحمد المنصور السعدي، يوم الاثنين عاشر شعبان سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة لزيارة أضرحة الصالحين بأغمات، قال فتأخرت وراءه فلحقني المولى عبد الواحد بن أحمد الشريف وأنا في أخريات الناس فأنشده
أبا فارس بان الخليط وودعوا
فقلت 
وولوا وحسن الصبر مني شيعوا
فقال
 وغرد حادي البين وانشقت العصا
وكاد فؤادي للنوى يتقطع
فقلت
إلى الله أشكو فرقة منهم وقد
تجرعت من كأس النوى ما تجرعوا
ثم زدت 
لئن شرد السلوان عني بعدهم
ففي صحبة المنصور أنسي أجمع
ثم قال
تدور عليه هالة لقبابه
ومركزها قصر الخلافة يلمع
فقلت
سياج به بحر الندى متموج
ومن أفقه شمس الإمامة تطلع
1003
ثورة الناصر ابن السلطان الغالب بالله السعدي ببلاد الريف ومقتله
كان الناصر هذا في حياة والده السلطان عبد الله الغالب بالله السعدي خليفته له على تادلا ونواحيها، ولما توفي أبوه وقام بالأمر أخوه المتوكل قبض على الناصر فاعتقله فلم يزل معتقلا عنده سائر أيامه إلى أن قدم عبدالملك المعتصم السعدي بجيش الترك وانتزع الملك من يد السلطان المتوكل فسرح الناصر من اعتقاله، وأحسن إليه فلم يزل عنده في أرغد عيش إلى أن توفي السلطان عبدالملك المعتصم في يوم معركة وادي المخازن، وأفضى الأمر إلى السلطان أحمد المنصور السعدي، ففر الناصر إلى آصيلا وكانت للنصارى يومئذ ثم عبر البحر منها إلى الأندلس، فكان عند طاغية قشتالة مدة طويلة إلى أن سرحه الطاغية إلى المغرب بقصد تفريق كلمة المسلمين وإحداث الشقاق بينهم فخرج الناصر بمليلية ونزل بها لثلاث مضت من شعبان سنة ثلاث وألف وتسامعت به الغوغاء والطغام من أهل تلك البلاد فأقبلوا إليه يزفون فكثرت جموعه وتوفرت جيوشه واهتز المغرب بأسره لذلك
1009
فيضانات وسيول عظيمة في فاس
في شهر جمادى الثانية من سنة 1009هـ حمل سيل عظيم بفاس، ثم أعقبه في شهر شعبان سيل أعظم من الأول تهدمت منه الدور والحوانيت وتهدم سد الوادي بفاس على وثاقته وإحكامه وهذا السد هو الذي كان جدده السلطان أبو العباس أحمد الوطاسي ثم جدده السلطان احمد المنصور السعدي في هذه المرة من أحباس القرويين
1015
نهوض عبد الله بن الشيخ السعدي لحرب عمه أبي فارس واستيلاؤه على مراكش
قال الناصري: ثم إن الشيخ المأمون السعدي المتغلب على فاس دعا بتجار أهلها فاستسلف منهم مالا كثيرا وأظهر من الظلم وسوء السيرة وخبث السريرة ما هو شهير به ثم تتبع قواد أبيه فنهب ذخائرهم واستصفى أموالهم وعذب من أخفى من ذلك شيئا منهم ثم جهز جيشا لقتال أخيه أبي فارس بمراكش وكان عدد الجيش نحو الثمانية آلاف وأمر عليه ولده عبد الله فسار بجيوشه فوجد أبا فارس بمحلته في موضع يقال له إكلميم ويقال في مرس الرماد فوقعت الهزيمة على أبي فارس وقتل نحو المائة من أصحابه ونهبت محلته وفر هو بنفسه إلى مسفيوة ودخل عبد الله بن الشيخ مراكش فأباحها لجيشه فنهبت دورها واستبيحت محارمها واشتغل هو بالفساد ومن يشابه أباه فما ظلم حتى حكي أنه زنى بجواري جده المنصور واستمتع بحظاياه وأكل رمضان وشرب الخمر فيه جهارا وعكف على اللذات وألقى جلباب الحياء عن وجهه وكان دخوله مراكش في العشرين من شعبان سنة خمس عشرة وألف
1016
عودة عبد الله بن الشيخ إلى مراكش واستيلاؤه عليها وطرده زيدان عنها
قال المؤرخ الناصري: لما قدم عبد الله بن الشيخ على أبيه بفاس سليبا مهزوما قامت قيامته ورأى أن يهيئ عسكرا آخر ويجدد جمعا ثانيا فلم يجد لذلك طاقة لفراغ يده من المال وقلة جبايته واستحيى أن يستسلف من التجار لأنه كان استسلف منهم فلم يرد لهم شيئا ولما أعيته الحيلة رجع على قواده فقلب لهم ظهر المجن ونهب أموالهم واستلب ذخائرهم وصار يفرقها على التجار فاجتمع له من ذلك أموال عريضة فرقها في جيشه وتهيأ عبد الله للمسير إلى مراكش وكان أهل فاس قد غضبوا لمن قتل من إخوانهم بها ونادوا بأخذ ثأرهم حتى إن بعضهم خرج مع عبد الله من غير أخذ مرتب ولا جامكية فخرج عبد الله بجموع عديدة وجيوش حفيلة ولما بلغ خبره للسلطان زيدان السعدي بعث إليه العلج مصطفى باشا في جيوش كثيرة، قال في شرح زهرة الشماريخ: كان قد بعث مصطفى باشا وخروجه من مراكش في شعبان سنة ست عشرة وألف فالتقى الجمعان بموضع يقال له تافلفلت على طريق سلا فهزم مصطفى باشا وقتل من جيش مراكش نحو التسعة آلاف وبعث الشيخ جماعة من عدول فاس إلى موضع المعركة حتى أحصوا القتلى ثم توجه عبد الله إلى مراكش فبرز إليه أهلها في ستة وثلاثين ألف مقاتل والتقى الجمعان بموضع يقال له رأس العين فانهزم أهل مراكش وتقدم عبد الله بن الشيخ فاقتحمها بجيشه وفر زيدان إلى المعاقل المنيعة والجبال الشامخة فبقي منتقلا هنالك
1028
ثورة محمد بن الشيخ المعروف بزغودة على أخيه عبد الله بن الشيخ
قال صاحب شرح زهرة الشماريخ: لما رأى أهل بلاد الهبط {منطقة الغرب} ما وقع من افتراق الكلمة وتوقد الفتن بايعوا محمد بن الشيخ المعروف بزغودة على ضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وكان الذي قام بدعوته الشريف أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن عيسى بن عبد الرحمن الإدريسي المحمدي اليونسي المعروف بابن ريسون وهي أم جده علي نزيل تاصروت {تازروت} وبايعوه على الكتاب والسنة وعلى إحياء الحق وإماتة الباطل، فلما بلغ خبره أخاه عبد الله خرج لقتاله فالتقى الجمعان بوادي الطين، واقتتلوا فانهزم عبد الله وتقدم محمد إلى فاس فدخلها واستولى عليها في شعبان سنة ثمان وعشرين وألف، وقبض على بعض عمال عبد الله فقتلهم واستصفى أموالهم، وفي آخر شعبان من السنة المذكورة، وقعت الحرب بينهما بمكناسة فانهزم محمد ودخل عبد الله فاسا في مهل رمضان من السنة، وأظهر العفو عن الخاص والعام، ثم قتل أهل فاس قائده ابن شعيب وأخذوا حذرهم من عبد الله ثم وقع قتال بين أهل الطالعة وأهل فاس الجديد ودام أياما عديدة حتى اصطلحوا لتاسع رجب من سنة تسع وعشرين وألف، ثم إن عبد الله خرج لقتال أخيه محمد فوقعت المعركة بينهما بوادي بهت فانهزم محمد وفر شريدا إلى أن قتله ابن عمه
1032
تنكيل عبدالله بن الشيخ السعدي بأهل فاس
وذكر بعضهم أن سبب هذه الفترة ما حكي أن عبد الله بن الشيخ عزم على التنكيل بأهل فاس في بعض غلباته عليهم أيام خروجهم عليه فاستشفعوا إليه بالصالحين المجذوبين سيدي جلول بن الحاج وسيدي مسعود الشراط وكان من الملامتية، فلما وقفا بين يديه قال أما وجد أهل فاس شفيعا غير هؤلاء الخراءين في ثيابهما، فغضب سيدي جلول وقال والله لا تصرف فيها يعني فاسا أحد أربعين سنة، وانصرفا فيقال إن عبد الله بن الشيخ انقلبت معدته فخرج غائطه من فمه أياما إلى أن أتى بالشيخين فاسترضاهما فكان أمر فاس كما قال سيدي جلول لم يطأطئ رؤوس أعيانها سلطان إلى أن جاء الله بالمولى الرشيد بن الشريف السجلماسي رحمه الله وإنما كان يتصرف فيها رؤساء أهل فاس الذين يسمونهم السياب، وقال اليفرني وهذه حكاية صحيحة سمعتها من غير واحد بفاس ملخصها ما ذكرنا، ولم يزل عبد الله في محاربة أهل فاس القديم من سنة عشرين وألف إلى أن توفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وثلاثين وألف بسبب مرض اعتراه من إسرافه في الخمر وإدمانه عليه وكان لا يفارقه ليلا ولا نهارا ويتعاطاه سرا وجهارا، وقال صاحب شرح زهرة الشماريخ: ولما توفي عبد الله ولي بعده أخوه عبد الملك في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وألف ولم يزل مقتصرا على ما كان قد صفا لأخيه إلى أن توفي في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وألف، ومن آثار عبد الله بن الشيخ القبة التي على الخصة الكائنة أسفل المنارة التي بوسط صحن جامع القرويين فإنه لم يكن في القديم إلا الخصة المقابلة لها شرقي الجامع المذكور
1033
برد عظيم ينزل من سماء المغرب
وفي خامس شعبان من سنة 1033هـ نزل برد عظيم قدر بيض الدجاج وأكبر وأصغر ورئي حجر عظيم منها نزل على خيمة فخرقها وفر أهلها عنها وبقي لم يذب نحو ثلاثة أيام
1040
نهاية السلطان عبد الملك بن زيدان السعدي ومقتله
قال اليفرني: كان السلطان عبد الملك بن زيدان السعدي فاسد السيرة مطموس البصيرة وبلغ من قلة ديانته أنه تزايد له مولود فأظهر أنه أراد أن يحتفل لسابعه فبعث إلى نساء أعيان مراكش ونساء خدامه أن يحضرن وصعد هو إلى منارة في داره فنظر إلى النساء وهن منتشرات قد وضعن ثيابهن فأيتهن أعجبته بعث إليها وكان مدمنا على شرب الخمر إلى أن قتله العلوج بمراكش وهو سكران يوم الأحد سادس عشر شعبان سنة أربعين وألف ودفن إلى جانب قبر أبيه
1059
استيلاء السلطان المولى محمد بن الشريف على فاس ثم رجوعه عنها
كان محمد الحاج الدلائي مستوليا على فاس بعد سيدي محمد العياشي كما قلنا وكان أهل فاس يمرضون في طاعته تارة ويستقيمون أخرى فولى عليهم قائده أبا بكر الثاملي وأنزله بدار الإمارة من فاس الجديد فاتفق أن وقعت بينه وبين أهل فاس القديم حرب فحاصرهم وقطع عنهم الماء فكتب أهل فاس إلى المولى محمد بن الشريف العلوي يستصرخونه ويضمنون له الطاعة والنصرة بما شاء من عدد وعدة متى قدم عليهم واحتل بين أظهرهم ووافقهم على ذلك عرب الغرب من الخلط وغيرهم فاغتنمها المولى محمد منهم وأقبل مسرعا حتى اقتحم دار الإمارة بفاس الجديد منسلخ جمادي الثانية سنة ستين وألف وقبض على أبي بكر الثاملي فسجنه وبايعه أهل البلدين فاس القديم وفاس الجديد معا واتفقوا على نصرته والقيام بأمره وكتبت له البيعة بفاس سابع رجب فأقام عندهم نحو أربعين يوما، واتصل الخبر بمحمد الحاج الدلائي فجهز إليه جيشا كثيفا فبرز إليهم المولى محمد الشريف ودافعهم يوما أو بعض يوم، فضعف عنهم وانهزم بظهرالرمكة خارج فاس يوم الثلاثاء عاشر شعبان سنة تسع وخمسين وألف فأسلم فاسا وانكفأ راجعا إلى سجلماسة ودخل أهل فاس الذين كانوا معه مدينتهم فأغلقوها عليهم، وحاصرهم الثاملي وأصحابه وقطع عنهم الماء وجرت خطوب هلك فيها جماعة من أعيان فاس منهم عبد الكريم اللايريني الأندلسي، ومحمد بن سليمان وغيرهما، وكان ذلك أواخر صفر سنة إحدى وستين وألف ثم راجعوا طاعة أهل الدلاء فولى عليهم محمد الحاج الدلائي ولده أحمد، ولما استقر بفاس طالب أهلها بإخراج الجناة ورؤوس الفتنة من ضريح المولى إدريس الثاني، فتعصب لهم الشريف أبو الحسن علي بن إدريس الجوطي وقام دونهم ثم عجز واختفى حتى أخرج بالأمان إلى زاوية أهل المخفية ومنها خرج عن فاس بالكلية وسكنت الفتنة وكان ذلك في رمضان سنة إحدى وستين وألف، واستمر أحمد الدلائي أميرا على فاس إلى أن توفي في عشرين من ربيع الأول سنة أربع وستين وألف وخلفه أخوه محمد ومات سنة سبعين وألف رحم الله الجميع ثم وثب على فاس الجديد أبو عبد الله الدريدي فاستولى عليه
1081
بناء مدرسة الشراطين بفاس
وفي أول شعبان منها شرع في بناء مدرسة الشراطين بدار الباشا عزوز من فاس وكان قد أمر ببناء مدرسة عظيمة بإزاء مسجد أبي عبد الله محمد بن صالح من حضرة مراكش والله لا يضيع أجر من أحسن عملا
1089
وفاة الشيخ مولاي عبدالله الشريف الوزاني
وفي سنة تسع وثمانين وألف في ليلة الجمعة الثاني عشر من شعبان منها توفي الشيخ المولى أبو محمد عبد الله الشريف الوزاني الشهير وكان عمره يوم توفي خمسا وثمانين سنة، مخلفا ابنه الشيخ المولى أبو عبد الله محمد الوزاني المتوفى سنة 1120هـ وحفيده الشيخ القطب المولى التهامي ابن محمد الوزاني المتوفى سنة 1127هـ وحفيده الثاني الشيخ مولاي الطيب ابن محمد الوزاني المتوفى سنة 1181هـ ثم ابن حفيده الشيخ مولاي أحمد الوزاني المتوفى سنة 1196هـ ثم ابنه الشيخ مولاي علي بن أحمد الوزاني المتوفى سنة 1226هـ ثم ابنه الشيخ سيدي الحاج العربي بن علي المتوفى سنة 1267هـ الى غير ذلك من هذه السلسلة من السادة الشرفاء الوزانيين لما في بيتهم من شرف نسبهم الى المولى يملح بن مشيش أخي المولى عبد السلام بن مشيش ثم بالمولى إدريس بن إدريس الحسني رحمهم الله
1091
بناء قلعة المهدومة والجديدة
ثم أمر رحمه الله ببناء قلعة بالمهدومة وأخرى بالجديدة من أعمال مكناسة وأنزل بكل واحدة مائة من خيل العبيد بعيالهم لحراسة الطرقات وبكل قلعة فندق لمبيت القوافل وأبناء السبيل ثم دخل السلطان رحمه الله حضرته مؤيدا منصورا وذلك في خامس شعبان سنة إحدى وتسعين وألف
1121
تعيين ولاة من عائلة الروسي على فاس
وفي شعبان من سنة 1121هـ عزل السلطان مولاي اسماعيل العلوي عامل فاس أبا علي الروسي عن ولاية فاس وولي مكانه حمدون الروسي ثم بعد مدة يسيرة عزل حمدون وأعيد أبو علي وفيها قدم عبد الله الروسي ومعه أمر السلطان ببيع أصول المجاورين بالمشرق يعني بالحرمين الشريفين


* * *
*

1 commentaire:

Mohamed Ould Mohamed ELMAOULOUD a dit…

السلام علبكم و رحمة الله

اخي العزير
لقد اعجني مقالكم التاريخي
http://tribus-maroc.blogspot.com/2012/01/blog-post_9392.html
و بما اني من مواليد الصحراء و خوصا حيث استشهد الأمير أبي بكر بن عمر
اللمتون رحمه الله فاني اريد ان اساهم بان المكان الدي يوجد فيه قبر
الشهيد رحمه الله يطلق عليه اسم مكسم بوبكر بن عامر و يبعد 55 كيلمترجنوب
مدينة تجكجة -مسقط راسي- عاصمة ولاية تاكانت وسط موريتانيا
السهم المسموم اطلقه عليه رجل اعمي من قبيلة زنجية تدعي صونيكا يتواجد
افرادها الان في اقصي جنوب موريتانيا ة في السنغال و في مالي
لقد كانت هذه البلا سكننا للزنوج قبل الفتحات الاسلامية و قبل تصحرها الحالي
ان قاتل الامير ابي بكر رحمه الله كان اعمي و كانت تدله ابنته
هذا ما اردت ان اضيف علي المعلمات التاريخية المهمة التي كتبتم
و السلام عليكم
-
محمد م المولود
Mohamed M.ELMAOULOUD
-
280, Rue 62-063, Nouakchott (Mauritanie)
Tel +222 45 25 32 05
Cel +222 46 88 93 35
E-mail: m.elmaouloud@gmail.com
E-mail: mmmaouloud2002@yahoo.fr
SKYPE : m.elmaouloud
WhatsApp: +222 22689335

Une erreur est survenue dans ce gadget